الانتماء والهوية وفجوة السياسة والجغرافيا في سورية

أحمد وديع العبسي

822

لقد بُنيت الهوية السورية الحديثة على أساس نخبوي لا على أسس شعبية، ولم تستطع النخبة أن ترسخ الشعور بالانتماء لهذه الهوية عند العامة، رغم كل المهرجانات الثقافية والأدبية والخطابات القومية والفعاليات الوطنية، ذلك أن النخبة الثقافية والفنية والسياسية في سورية كانت منفصلة عن الناس، لم تنتمِ إليهم إلا نادراً ولم تعبر عنهم إلا في مرات قليلة لا تُذكر، وكانت النخبة قلقة في الانتماء بين السلطة والتغريب، حيث لم تجد ذاتها إلا على هذه المنصات، وبقيت القلّة التي تكافح نحو الانتماء للجماهير وللناس قلّة منسية تعاني ما يعانيه الناس من التهميش والإقصاء السياسي والثقافي والهوياتي.

بقيت سورية (الوطن والانتماء والهوية) هوية للنخب، فهم وحدهم السوريون، وهم وحدهم من يفهم ماذا تمثل سورية، أمّا البسطاء أمثالنا فكانوا يهزّون رؤوسهم تجاه الهوية كما اعتادوا على هزّها تجاه أشياء كثيرة فُرضت عليهم ولم يحاول أحد أن يشرحها لهم. ولا يظهر أنها تعنيهم أو تعني لهم.

على هامش ورشة شبابية في الإعلام في مدينة أعزاز جمعت شباب سوريين مهجرين ومقيمين من مختلف الجغرافيا السورية، تم طرح إشكالية الهوية والانتماء في سورية، وجدلية الانتماء السوري مقابل الانتماء للمحليات الذي يُعتبر أعمق وأكثر أثراً وظهوراً عند أبناء المناطق المختلفة في سوريا.

خلال النقاشات تمّ طرح عوامل عديدة ساهمت في إضعاف الانتماء لسوريا، منها تعزيز المحلية والطائفية من قبل نظام الأسد، وتهميش بعض المناطق الشرقية في مقابل الساحل وحلب ودمشق، بالإضافة إلى الصراع الذي رعته النخبة المثقفة بين أبناء الريف والمدينة الذي رسّخ التفوق الطبقي والعلمي والثقافي لأبناء المدينة في مواجهة أبناء الريف مما جعلهم يكوِّنون انتماءات خاصة في مقابل المدن كرد فعل على تعالي أبناء المدن عليهم، بالإضافة إلى تعمّد الدولة إهمال الخدمات في الريف وحصر نشاطاته في القطاع الزراعي دون أن تقدّم الرعاية الكافية لهذا القطاع، رغم أنه القطاع الأهم في سورية والذي يؤمن الكفاية الغذائية والرفاه والأمن الاقتصادي والغذائي في سورية في مقابل القطاعات الصناعية والتجارية غير المكتملة النمو، والتي تسيطر عليها المحسوبيات والواسطات والنخبة الحاكمة المتحكّمة.

يُضاف إلى ما سبق الاعتماد على أبناء الريف في أجهزة الشرطة والأمن والجيش بشكل واضح مقابل أبناء المدن كونهم الطبقة الأكثر فقراً والتي تقبل العمل في هذه المؤسسات التي كانت مستهجنة عموماً في سورية، وما حمله هذا الفرز من (انتقام) غير مباشر من قبل أبناء الريف في مواجهة أبناء المدن أثناء الخدمة العسكرية أو التعرّض لأي مساءلة في مؤسسة أمنية.

ورغم أن جميع هذه الأسباب لم تفعل فعلاً مباشراً في تلك القطيعة بين أبناء الوطن الواحد، وبقيت في إطار تصرفات غير متجذرة، وسطحية، إلا أنها ساهمت في إضعاف الشعور بالانتماء للوطن الواحد في مقابل شعور بانتماء أقوى للمحليات والعشائر والعوائل والمدن والقرى أحياناً، بدا أكثر ظهوراً ورسوخاً من الانتماء إلى سورية

في السياق ذاته برز الاهتمام الخاص بالأقليات أو الازدراء لها من قبل السلطة الحاكمة كأحد أسباب ضعف الانتماء لسورية الوطن، في مقابل ظهور أقوى للانتماءات الطائفية والعرقية سواء عبر النأي بالنفس عن هذه الممارسات أو عبر التعاطف معها أو عبر أخذ مواقف صارمة من قبل هذه الأقليات في مواجهة ما يُتوهم أنه يمثل الهوية الجامعة للوطن … ومسؤولية الطبقة الحاكمة عن هذا التمثيل وخضوع الأكثرية له.

طبعاً هذا السبب الأخير هو أكثر ما تمّ التركيز عليه في إضعاف الانتماء لسورية، فسورية التي كان يُقرن أسمها باسم الحاكم وكأنها جزء من عائلته (سورية الأسد)، لم تكن تغري أحداً بالانتماء إليها، لا سيما وأن هذا النظام وحاكمه (الأسد) قام بالعديد من الجرائم والتجاوزات لم يستطع السوريون تجاوزها حتى قبل ثورة آذار في 2011، بالإضافة إلى السلطة القمعية والاستبداد الذي كان مخيفاً لدرجة أن الانتماء أصبح إكراهاً غير واعي لأي هوية سوى هوية الخضوع للسلطة المطلقة، التي كان الخروج عنها أو حتى التفكير بذلك (في الإطار الثقافي) يعني الموت أو شيء قريب منه.

لذلك كان هذا الانتماء مصطنعاً بما يكفي لانهيار عراه بمجرد التخلص من السلطة، وبدأت تطرح الأسئلة حوله منذ وقت مبكر في الثورة، ما الذي يجمعنا كسوريين؟! …

أتذكر جيداً الجلسات الأولى والورشات الكثيرة التي حضرتها بين عامي 2012 و 2014 إبان تحقيق الثورة السورية لانتصاراتها، والتحدث عن التصورات المستقبلية لشكل الدولة والحكم، وكيف برزت اللامركزية كأحد الحلول التي تغطي فجوات الهوية ومساحات الانتماء الغائبة، وكيف كانت الطروحات تصل بكل جديّة لطلبات بالفيدرالية الكاملة، أو مناطق للحكم الذاتي، حتى قبل أن تكون هناك مناطق نفوذ تسيطر عليها قوى مختلفة، وإنما على العكس كان السوريون البسطاء جداً هم من يسيطرون على معظم الأرض، وهم من خسرها بعد ذلك.

وكان لافتاً جداً في تلك الجلسات القديمة ملاحظات سجلتها مراراً، تتلخص في أنه كلّ ما زادت المنطقة تهميشاً كانت أكثر ميلاً نحو اللامركزية، وكلّما كانت المنطقة في المركز كانت أكثر إصراراً على عدم الخوض في أي مقاربات من الممكن أن تجزئ التراب السوري. وقد بدا بوضوح أن أكثر المهتمين بوحدة سورية هم الدمشقيون والحلبيون، يليهم أبناء الساحل، وأن أكثر من طرح اللامركزية هم أبناء المحافظات الشرقية الذين أهملهم النظام السوري رغم غنى مناطقهم ودورها المحوري في الدولة، وكأنهم يريدون الخروج من حالة المظلومية، وتعويض ما فاتهم من التمتع بثرواتهم بشكل منفصل لفترة من الزمان.

مع كل هذا بقي في المحادثات الجانبية والشخصية والجلسات (التي تشبه تلك الورشة الشبابية المعقودة في مدينة أعزاز) يظهر عمق الانتماء المحلي مقابل الانتماء الوطني لسورية، ومع طول الأزمة والتهجير، بدأت الحاجة للتعايش تخفّف شيئاً فشيئاً هذه الانتماءات في مقابل الاندماج الإجباري الذي خضع له السوريون من كل سورية في الشمال وإدلب، ولكن هذه الانتماءات لم تختفِ بل عبّرت عن نفسها أحياناً وفي فترات متباعدة بطريقة عنيفة، تُظهر عمق الفجوة بين أهل (الأرض الواحدة) والقضية الواحدة كما ينبغي.

وما زال أي مراقب للسوريين يستطيع تلمّس هذه التفرقة بين أهالي حلب وريفها (الأكثر حضوراً في الشمال) وبين أهالي المنطقة الشرقية وغيرهم، وبين أهالي ريف دمشق وعموم النازحين حين بشعر بالنزعة السلطوية عند الدمشقيين كونهم أهل العاصمة، خاصةً وأن ريف دمشق ليست ريفاً بالمعنى الديمغرافي تماماً، وإنما هي مناطق تنظيمية إدارية ملحقة بالعاصمة، ولم تنفصل عنها تاريخياً.

في النهاية اعتقد أن المسألة أشد تعقيداً من الوقوف عند هذه الأسباب مجتمعة فقط، رغم أهميتها ودورها في تعميق حالة عدم الشعور بالانتماء الوطني، ومن المؤكد أن هناك “جذراً” أشد عمقاً عند الحديث عن الانتماء والهوية التي تشكلت عبر حدود الدولة الحديثة، هذا الجذر هو ما يستدعي كل تلك الأسباب للظهور لتفعل فعلها، وهو ما يسمح لها بالبقاء وعدم الزوال.

هذا الجذر باعتقادي يتمثل في ضعف روابط الجغرافيا الجديدة في مقابل الجغرافية التاريخية (الحضارة)، فسورية بحدودها المعروفة اليوم والتي تفرض الانتماء السوري على أبناء هذه الحدود بالكاد يتجاوز عمرها 100 عام، في مقابل 10 آلاف عام من الوعي والشخصية الحضارية الفاعلة والعميقة لأبناء مدن مثل حلب ودمشق وأقل بقليل لأبناء مدن أخرى كحمص وحماه واللاذقية وغيرها، وارتباط دير الزور بثقافة الرافدين … وما إلى ذلك من هويات تاريخية مغرقة في القدم تشكل (لا وعي) راسخ بالثقافة والهوية والانتماء عند سكان هذه المحليات أعمق بكثير من وعيهم بحدود سورية التي تم رسمها فقط منذ 100 عام، والتي يظهر اليوم أنها قابلة للتغيّر ولا تشكل حدوداً عميقة في الوجدان والتاريخ، فالسودان مثلاً أصبحت بين ليلة وضحاها دولتان ترسم كل واحدة منهما حدود جغرافية مختلفة لهوية متخيّلة.

ففي حدود معينة أجد نفسي أراجع مع العائلة بعض مواقف جدِّ أبي (-2005 رحمهما الله) الذي عايشته فترة من الزمان، والذي كان يحدثني عن أشياء ومواقف أقدم من وجود دولة باسم سورية، حيث كان يمنحني ذلك الشعور، الذي أجد نفسي به أكبر بكثير من تلك (الحدود) عبر عائلتي فقط، والتي يتجاوز عمرها في مسقط رأس جدي أكثر من أربعمئة عام … (الغالبية من السوريين لديهم واقع مشابه)، وهذا مثال بسيط على وهن حدود الدولة السياسية وعدم قدرتها على إنشاء هوية راسخة، رغم معرفتي بعدم غياب تلك الهوية بشكل كامل، فأنا لديّ شعور جيد بأني سوري بحكم السياسية والواقع وحلبي بحكم المولد والنشأة وإدلبي بحكم ميراث الآباء والأجداد والأرض المملوكة.

بالإضافة لنزعة الكثير من أهالي المناطق المهجّرة قسراً إلى الخروج من سورية نحو تركيا وأوروبا بعد تهجيرهم من مدنهم وقراهم، رغم صبرهم على كل صنوف الموت والعذاب داخل مناطقهم قبل تهجيرهم منها، ذلك أن الوطن الحقيقي كانت تختزله تلك المدن والقرى، وعندما أُخرجوا منها أصبحت المنافي متشابهة على حدّ تعبيرهم، لا فرق بين منفى داخل (حدود الوطن) أو منفى خارجه، …

تبقى الجغرافية السياسية غير قادرة على صنع هوية فاعلة كونها تتميز بالتغيّر والتبدّل وعدم الاستقرار والثبات، فالحدود ترسمها الدول المنتصرة في الحروب لا الشعوب، والهويات شعور ثقافي يحتاج قدراً كبيراً من الثبات ليحقق الانتماء المطلوب، وعلى هذه الأرض ومنذ آلاف السنين لم تنجح أي حدود أو إيديولوجيا أو عرق في خلق انتماء عميق وموحد لسكان هذه المناطق تجعلهم يعيشون كأبناء وطن واحد إلا عبر الدين، والدين الإسلامي على وجه الخصوص الذي تجاوز حدود الجغرافيا والعرق والثقافة والاختلاف نحو الإيمان الذاتي المنطلق من الإنسان نفسه، ليرسم أهدافاً مشتركة ومصالح مشتركة ورفاهاً مشتركاً وحضارة مشتركة وإنسانية مفعمة بالحرية والعدالة ترسخت في وجدان الناس لتصنع هويةً وانتماءً حتى عند أبناء الديانات والثقافات الأخرى التي سكنت أرض المسلمين، ولا تزال الثقافة الإسلامية جامعة بقوة، ومُوحِدة في الأزمات، لكل أبناء سورية وغير سورية، (قضية فلسطين في الهوية الإسلامية مثالاً) ولا تزال صورة هوية الأمة والانتماء إليها هي الأكثر حضوراً رغم قسوة وعولمة الدولة الحديثة، وهذا ما يمكن البناء عليه عند الحديث عن هوية سوريّة مستقبلية مفترضة، هوية مؤطرة وظيفية ضمن هوية أوسع وأكثر شمولاً وعمقاً ورسوخاً وعظمة، في تلك الحالة ستكون هوية قوية لأنها ستمثل إحدى مركزيات الهوية الحضارية الكبرى، ولن تكون منافس للهويات المحلية ولا للانتماءات الأممية العقدية، وهذا باب كبير ربّما نتحدث عنه يوماً ما، في حديث عن الأبعاد الجيوسياسية للهوية السورية ومركزيتها في هوية الأمة منذ العهد الأموي.

طبعاً في النهاية أنا أحاول شرح أسباب ضعف الهوية السورية، ولا أحاول نكران وجودها، فهي كأي عَرَض زمني، موجودة وفاعلة ولكنها ليست عميقة ولا راسخة وليس من السهل البناء عليها رغم عدم استحالة ذلك إذا تمت مراعاة شروط اتصالها بهويات أخرى، وهذا ما يجب العمل عليه للحفاظ على تماسك الشعب السوري، أن يتم صيانة روابطه التاريخية العميقة لا محاولة اجتثاثه نحو هوية سطحية ستجعله أقل تمسكاً بالأرض والوطن والثقافة والتعبير عن الذات في مقابل خطورة التخلي عن كل شيء نحو التبعية والعولمة والانتماءات المصطنعة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط