البرمجة العصبية والقوالب النفسية

0 85

قد يبدو هذا العنوان مضحكًا للكثيرين، خاصة أن هذا المجال صار بوابة تافهة جدًا في وقت من الأوقات للتدريب السقيم وتضييع الوقت وسلب الأموال، يضاف إليه ما يُعرف بالتنمية البشرية، وما يتبعها من مجموعة مصلحات أفرغها سماسرة الدورات والمدربين الفشلة من مضمونها اللغوي، ولستُ مختصًا لأعرف إن كان لها مضمون علمي حقيقي، لكن كل ما تمّ تقديمه ضمن هذه المجالات كان مكررًا مبتذلاً نظريًا جدًا، لا فائدة منه.

المهم لم أجد أفضل من هذا العنوان للفت النظر لما سأتكلم به، فهو يتقاطع مع المعاني اللغوية الأصيلة لهذه العبارات والتراكيب.

اقرأ أيضاً: أمراض نفسية وأخلاقية تعصف بالسوريين رغم خزعبلات الدعم النفسي

منذ فترة طويلة أرغب بالكتابة عمّا ألاحظه لدى الشباب من قولبة غير اعتيادية، في الحياة والحب والمغامرة والمشاعر حتى، لتشبه كل ما هو في القصص والروايات والأفلام غالبًا، وأصبحت هذه القولبة لا تسيطر على السلوك فقط، إنما على الأحاسيس وعلى الحقائق، أو الموقف الشخصي من الواقع.

فمثلاً أعرف أحد الأصدقاء مرّ بقصة حبّ عظيمة، واستهلك مشاعره بشكل كبير خلال سنوات وهو يعيش أوقات الحب الجميلة، ثم حدثت بعض المشكلات التي أنهت هذه القصة، والصديق استطاع تجاوز ما مرّ به بسهولة وأكمل حياته بشكل طبيعي، لكن من حوله لم يتقبلوا أنه استطاع فعل ذلك، الغالبية أنكرت أصلاً أنه كان يحب، واتهموه أنه كان يتسلى، وإلا كيف يستطيع أن يتجاوز آلام الفراق دون مرحلة نفسية عصيبة، لم يستوعب أحد أن الواقع يختلف عن الروايات والأفلام ومسلسلات الدراما، وأن هناك أشخاصًا يعيشون حياتهم بعيدًا عن التنميط المفروض الذي يُنتج حولنا.

لمتابعة كل جديد اشترك في قناة صحيفة حبر على تلغرام اضغط هنا

أعرف حالة أخرى لشخص تعرض للفقد في سورية، إذ فقدَ بعض أهله وأصدقائه، وتصالح أيضًا مع الموضوع وعاش حياته سعيدًا، فاتهمه من حوله بأنه متبلد المشاعر لأن مشاعره لم تكن ضمن السياق، أمّا الطب النفسي القميء الذي يعتاش على الحرب ويصرّ على آثارها النفسية في داخل سورية، فوجد في الحالة نموذجًا ليتحدث عن الإنكار النفسي، وبدأ يجزم أنه متألم من الداخل لكنه ينكر حتى يستطيع أن يكمل حياته بشكل أقرب للطبيعي، طبعًا والناس التي تحب التعاطف وتجتر التراجيديا والرومانسية على السواء وجدوا في تفسير الطب النفسي نافذة على القولية المعتادة، التي لا تؤمن بحزن لثلاثة أيام ثم تستمر الحياة بشكل طبيعي جدًا ودون تشظٍ و(انبحات) وأحزان مصطنعة لترضي الجمهور، أو تسمح للشخص بأن يدخل بالحالة التي تجعله يبدو مهمًا أو مكان اهتمام الجميع.

طبعًا سيجد بعض الأطباء فيما أقوله حالة نفسية معينة وإسقاطات عجائبية، وسيجد آخرون أنه بعيد عن الواقع الذي اعتادوه، لكنه في الحقيقة جزء من الواقع، وجزء كبير جدًا، فاتركوا الناس تعيش مشاعرها بحرية وحاولوا أيضًا أن تفعلوا ذلك بعيدًا عمَّا تمَّت برمجته في عقولكم.

المدير العام | أحمد وديع العبسي  

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط