“السينما الوثائقية حققت الحضور الأهم على الساحة السينمائية السورية” الفنانة واحة الرهب في لقاء مع صحيفة حبر

المعتصم الخالدي

0 1٬428

المعتصم الخالدي

 

التقت صحيفة حبر الفنانة السورية المعارضة (واحة الراهب) وكانت الأسئلة التالية:

1-صدرت مؤخرًا روايتك (حاجز لكفن) وحدثت ردود أفعال إيجابية حولها، لو تحدثينا عنها قليلا؟

“روايتي (حاجز لكفن) بدأت فكرتها بعد سماعي لشهادات المعتقلات وعذاباتهنَّ، فجعلت منها وجعي وعذابي الخاص، الذي لم أكن لأبرأ منه دون تفريغ هذا الألم على الورق، وحفظ حق ضحايا المعتقلات والمعتقلين بالتعبير عن مأساتهم، فما بالنا إن كان هذا التعذيب هو جزء من العذابات الهائلة التي تتعرض لها النساء في بلادنا، بمعاناتهنَّ المزدوجة من المجتمع ومن الرجل المقموع من المجتمع، والقامع بدوره لهنَّ أيضًا.

كنت أبحث عن موضوع لكتابته كسيناريو لفيلم روائي قصير، لكن حين بدأت الفكرة تتبلور، وجدت نفسي أميل لكتابتها كرواية، تجعلني أغوص في أعماق الشخصيات وأبحر لغويًا في عوالمها بأريحية أكبر.

استوحيت العنوان المستنبط من واقع موغل بقسوته، من الحدث الأساسي في الرواية القائم على التباس في الفهم، جعل من مجرد وجود بطلة الرواية في مكان وزمان ما، سببًا كافيًا لتعرضها لمأساة كارثية غيرت مجرى حياتها.

دلالات العنوان تلخص المأساة السورية وما آل إليه حالهم كتتويج لنصف قرن من مأساة الانضواء تحت نير حكم الاستبداد، يجعل من كل سوري مشروع شهيد أو قتيل، يعيش يومه حاملاً كفنه بيده، بانتظار موت يحيونه كل لحظة وهم شبه أحياء.

لم يعد يجدي نفعًا معه انتظار الموت أو توقعه أو الاختباء منه، بل بات يتطلب استدعاءه رحمة لهم وقد أصبح حلمًا بعيد المنال، فما بالنا إن تعرضت امرأة لأحد حواجزهم المميتة، فهل ستستوي حياتها أو تبقى هويتها على حالها بعد ذلك، حتى لو كانت شخصًا هامشيًا بريئًا لا يشكل أي خطر على أحد من أي نوع كان.

يختلف موضوع هذه الرواية تمامًا عن موضوعي الروايتين السابقتين، واللتين تختلفان بدورهما عن بعضهما البعض كموضوع وكأسلوب.
في هذه الرواية كان للتعبير اللغوي حيزًا حسيًا أكثف للتعبير عن الحالة والهواجس والتداعيات، أكثر مما هي تركيزًا على الموضوع وتسلسل الأحداث، وأكثر إبحارًا في بواطن النفس البشرية التي أعشق الغوص في أعماقها الملتبسة أحيانًا باختلاطات الخيال بالواقع، وهو ما يستهويني تحقيقه حتى في الأعمال التي أخرجها، إذ أدفع شخصياتي لخلق هذا الجمع كتعبير عن المفتقد في عالمها الواقعي أيضًا، الذي يتم التعويض عنه عبر الخيال والغوص في عالمها الداخلي وصراعاته وأحلامه.”

 

2-فيلم (قتل معلن) وهو من إخراجك طبعًا، حصد جائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان كييف السينمائي، كيف كان شعورك عند إعلان الفوز؟ وماهي المعوقات التي رافقت الفيلم للوصول للجائزة؟

“كانت سعادتي واعتزازي بها كبيرين، وكانت تتويج لاختيار السيناريو قبل إنتاجه في المرتبة الأولى على مجموعة سيناريوهات قدمت للمنظّمتين الداعمتين لإنتاج مجموعة أفلام عن المرأة، كتبهم مجموعة كتّاب ومخرجين سوريين، رغم محدودية ميزانيته لكون الفيلم مموّل من قبل منظّمات مدنية محدودة الإمكانيات، وتحظى بفرص ضئيلة في المشاركة بالمهرجانات الكبرى، وتحظى بفرص ضئيلة في المشاركة بالمهرجانات الكبرى، بسبب ميزانيتها الضعيفة. وكان من الممكن أن أصور أيامًا أكثر، ولكنت اخترت أجهزة وإضاءة ولقطات وإمكانيات للتصوير أكثر تنوعًا، لإضفاء سوية أفضل للفيلم، لو توفرت الميزانية المناسبة.

بعض المبدعين السوريين مثل الفنان مكسيم خليل تبرع بأجره، أو المونتير مقابل مشاركته بالإنتاج، وأنا بدوري عملت كممثلة ومخرجة وكاتبة ومنتجة منفذة من دون أجر أيضًا، لأتمكن من صنع الفيلم بالحد المعقول لما أطمح لتحقيقه، كما أن مهمّة تسويقه كانت صعبة عليّ لكونها تحتاج اختصاصيين ووقتًا فائضًا لا أملكه، لذلك جاء هذا الفوز، على الرغم من كل الظروف، تتويجًا لجهود كل العاملين في الفيلم والداعمين له ولفكرته المناصرة لقضايا المرأة والمجتمع السوري، وقضايا زواج القاصرات ومعاناة شعبنا في مخيمات اللجوء السوري في لبنان.

وسعادتي كانت كبيرة لاختراق التهميش الممارس على القضية السورية عادة حين يتم التطرق إلى عمق الواقع، كما هو الحال في فيلمي وفي سيناريوهات عدة كتبتها، رغم الحاجة لتسويق وإنتاج الأفلام الوثائقية لكونها تغطي مساحة إخبارية واسعة إعلامية واستهلاكية، لا تخلد في الذاكرة إلا بقدر طبعها بالطابع الروائيّ الأكثر تأثيرًا في الوجدان وتخليدًا للهوية وللذاكرة الوطنية. ”

3-في رصيدك العديد من الأفلام السينمائية الناجحة كمخرجة، ما هو تقييمك لواقع السينما السورية اليوم؟

“برأيي السينما الوثائقية السورية هي التي حققت الحضور الأهم والأكثر تميزًا على الساحة السينمائية السورية، وذلك بسبب فداحة الحدث السوري وشجاعة فرق التصوير المخاطرة بحياتها لتصوير مواد توثيقية من قلب الحدث، وهو ما منحها مصداقية كبيرة عند الجمهور المحلي والعربي والعالمي، وكذلك بسبب حاجة كل الجهات الإعلامية والفنية لتغطية دائمة للحدث السوري، كونه مأساة العصر الكبرى، مما ساعد على تأمين التمويل والعرض والتوزيع لتلك الأفلام.

أما الأفلام الروائية الطويلة، التي لن يكون بإمكانها تجنب التطرق إلى فداحة المأساة السورية بعمق تحليلي أكبر يعري خلفيات الحدث ولا يكتفي بعرضه الظاهري التوثيقي، يتم تجنب تمويلها رغم أنها برأيي الأكثر قدرة من الأفلام الوثائقية المستهلكة ضمن ماكينة الإعلام الإخبارية على الرسوخ في الذاكرة وتجسيد الهوية الحضارية إبداعيًا.

ومن هنا تتجسد هواجسي، أن أكون قادرة على إيصال صوتنا والتعبير عن الإنسان السوري وقضيته، لكن بكل حرية وبكل مصداقية وشفافية، وبشكل إبداعي لا يكتفي بنقل الوقائع بشكل توثيقي إخباري، بل يعيد صياغتها بشكل إبداعي جديد، هو الأقرب إلى قلوب الناس والتواصل التحريضي لملكاتهم الذهنية والروحية، والتعبير الراسخ بعمق عن قضاياهم وأحلامهم وهويتهم الحضارية، وهي لم تجد فرصها في التمويل خارجيًا، إما بسبب تكلفتها الباهظة نسبة للأفلام الوثائقية، أو بسبب تسيس الكثير من مصادر التمويل، التي منعت أحد الأفلام الذي يتحدث عن الساروت، من التطرق إلى شريكته في التظاهرات والبطولة فدوى سليمان، على سبيل المثال لا الحصر، ربما ليكرسوا المفهوم الزائف عن تطرف الثورة وأسلمتها، أو على المبدع تغيير مسارات عمله ليلقى الدعم، كما حدث في تجربة فيلمي (رؤى حالمة) حين تمّت الموافقة عليه كسيناريو من جهة تمويل فرنسية، لكنها اشترطت إلغاء الخط المتعلق بالاجتياح الإسرائيلي لبيروت فرفضت المنحة والتمويل، وبعد تمويله من (المؤسّسة العامّة السينما) في سورية، تمّت محاربته وإقصائه عن أغلب المهرجانات السينمائية العالمية رغم حصده لعدة جوائز، والنقاد الأجانب الذين التقيتهم في المهرجانات القليلة التي سمح بعرض فيلمي فيها، قد تفاجأوا كثيرًا لعدم عرضه في صالات ومهرجانات بلادهم، في الوقت الذي تمّ شراؤه وحفظه في (متحف وأرشيف السينما اليابانية العالمية)، كأوّل فيلم سوري وعربي، لأربعة قرون قادمة وما أنتج داخليًا بتمويل من النظام هو بالتأكيد فاقد للمصداقية، ليس بإمكانه أن يجرؤ على التعبير عن الواقع المأساوي كما هو، دون تزويره للحقيقة الموضوعية المغيبة بكل الأشكال.

وللأسف الأفلام باتت تنحو لتكون حكرًا على المهرجانات غالبًا، ولا تتاح أمام المتلقي السوري المغيب بدوره عن العالم في الداخل، إما بسبب ظروف القهر التي يعيشها وانعدام كل مقومات الحياة الأساسية ( كالغذاء والماء والكهرباء والغاز)، ومنعه من السفر إلا عبر رحلات الموت التي يضطر لها للهروب من إقامته الجبرية تحت وصاية النظام المافياوي، فما بالنا بالأفلام التي يعدُّها النظام ترفيهية، كما أن أغلب المهرجانات تشترط عادة ألا يكون قد سبق عرض الفيلم جماهيريًا لقبوله، وتلك المشاركات مهمة جدًا لتسويق الفيلم ومتابعة الجمهور له بشغف أكبر إن تمكن من الوصول إلى جمهوره.

كما أن ما يعرض من الأفلام السورية يجسد تجارب ومشاريع سينمائية لأفراد مبدعين، لا يعكس السينما كصناعة مثل غيرها من الصناعات، التي تحتاج لتوفر تكامل في عناصر إنتاجها، من وسائل إنتاج إلى وسائل عرض إلى آليات وأسواق للتوزيع. رغم كونها تعكس الوجه الثقافي الحضاري لبلد صناعها، وتشكل هوية وذاكرة للشعوب لا تنضب، وهو الأمر الذي ينطبق بشكل أكبر على الفيلم الروائي الذي يتغلغل ويختزل خلاصة الأحداث الواقعية، ليعيد صياغتها بأشكال جديدة إبداعية تلتصق أكثر بوجدان الناس وتخلد في ذاكرتهم بعمق أكبر.”

 

4-واحة الراهب مخرجة وممثلة وكاتبة، لماذا لم نشاهد أعمالًا درامية بتوقيع واحة الراهب؟

“بسبب مجمل النقاط التي سبق أن ذكرتها، فبالإضافة إلى كوني ممنوعة من العمل بأي من الوزارات التابعة للدولة قبل الثورة أي منذ 2006 تقريبًا، بتعميم موجه من بهجت سليمان المسؤول الأمني للوزراء بسورية، بسبب مشاركاتي بمنتديات ربيع دمشق، يضاف إلى ذلك أن لا أحد من المتحكمين الحاليين بالمال والثقافة والإعلام له مصلحة بالترويج لهذه الثورة التي كانت منارة للشعوب في بدايتها، إلا من خلال ضخ مواد استهلاكية لكسب مصداقية لإعلامهم، إذ لا أحد له مصلحة بالتطرق إلى عمق الثورة السورية وجوهرها وصدق انطلاقتها، أو حتى بانتصارها سوى أصحابها، لذا يتم تهميشها وتزييف حقائق انطلاقتها ومآلاتها، وإضفاء ما تم فرضه على الثورة لتشويهها باسم التطرف الديني والتسلح، ولكوني لا أكتب أو أخرج عملًا يتناقض مع رؤيتي ومصداقيتي ومبادئي، ما كان بإمكاني تزييف قلمي ووعيي وضميري ورؤيتي، أو حتى تهميش القضية المصيرية لشعبنا المرتبطة بالثورة والقفز من فوقها.

لذا لم أجد من يمول إنتاج سيناريوهين لفيلمين روائيين طويلين لي لكونهما يتطرقان إلى أحداث الثورة السورية، ويعكسان حقيقتها التي يحاول الجميع طمس معالمها وتزييفها، إذ ليس بإمكاني مجاراة مطالب السوق العالمية التي باتت تكرس تجزئة القضايا وشرذمتها، للتعامل على السطح مع كل قضايانا المصيرية دون تغلغل في العمق وربط الجزئي بالكلي لتعميق القضية والصراع، ولرؤيتها بشكل ملحمي موسع يربط السياسي بالاجتماعي بالاقتصادي بالثقافي بالذهنية الموروثة.. إلخ، بما يعري المشكلة من جذورها.

بداية العام رحل المخرج السوري الكبير حاتم علي عن دنيانا وهو صاحب الأعمال الدرامية المهمة، هل ترى واحة الراهب أن الدراما السورية تمر بأزمة ولماذا؟

“لا شك أن رحيل مخرج بإمكانيات وإخلاص حاتم علي لفنه وإبداعه، وبحجم الثقة الممنوحة له إنتاجيًا ليصنع ملاحم درامية إبداعية، له تأثير كبير على الانحسار النسبي للسطوع والتميز الذي تربعت من خلاله درامانا على عرش الفضائيات العربية، كما على قلوب المشاهدين العرب لفترة طويلة من الزمن.

لكنه سبب من أسباب عدة ساهمت بأزمة الدراما السورية، منها الغياب أو التغييب القسري لأهم مبدعي الدراما الآخرين المؤسسين للدراما المميزة بسورية، الذين إما رُحِّلوا من بلادهم أو تم استبعادهم إنتاجيًا بسبب مواقفهم المعلنة أو حتى المضمرة الصادقة من النظام.

والأهم هو فقدان الدراما الحالية لمصداقية تعبيرها عن الواقع السوري والعربي الحقيقيين بسبب التضييق الرقابي، الذي لطالما عدَّه حتى المشاهدين العرب أنه أصدق تعبير عنهم وعن قضاياهم متجاوزًا محليته، وهو برأي كان السر الأعظم لنجاح درامانا السورية. وكذلك بسبب تهرب السوق الإنتاجية العربية من شراء وتسويق وعرض أعمال تميل لأي طرح جاد لقضايانا خوفًا من حسابات سياسية، والميل المتزايد لدعم النصوص المسطحة التي تتطرق لقضايا حب وغرام وانتقام وخيانات زوجية وعائلية وما شابه ذلك.

وما عاد المنتج يهمه أن يغامر بعمل جاد حتى لو خسر الجمهور، طالما يجد محطات تعوضه عن ملايين الدولارات لإنتاج عمل يجرب به مخرج مبتدئ لا يضمن له التسويق الأوسع والمشاهدة الأكبر جماهيريًا في كل الدول العربية، محطات تشتري منه المسلسل بعرض أول يغطي كل التكلفة الإنتاجية سلفًا، حين يراعي متطلبات السوق المبتعدة عن العمق والسياسة والمشاكل بين الأنظمة، والتركيز على ما هو عام ومسطح.

6-يارا صبري وعبد الحكيم قطيفان وجهاد عبده وغيرهم من الأسماء الفنية الكبيرة اتخذوا موقفًا إلى جانب الشعب السوري، لماذا لم نشاهد عملاً دراميًا يجمع كل هؤلاء ويكون من إخراج الأستاذ مأمون البني مثلًا؟

“للأسباب التي ذكرتها لك في جوابَّي الأخيرين، فمن يسيطر على الإنتاج والمال والإعلام غالبًا ما يكون وراؤه دول، وأغلب هذه الدول لا تحبذ إظهار أو الترويج لفانين مبدئيين يحملون أفكارا ثورية يمكن للمشاهدين الاقتداء بأفكارهم ومبدئيتهم، بات سائدًا التعامل أكثر مع من هم دون أو تُبَّع.”

7-في المواسم الماضية قدم الممثل الشهير تيم حسن دور البطولة في مسلسل الهيبة الذي أثار الجدل، برأيك هل انتقص تيم حسن من مسيرته الفنية بأداء هكذا دور؟

“هناك مستويان من تلقي الجمهور لأداء تيم بهذه الأجزاء من مسلسل يروج لطغيان دور الميلشيات والمرتزقة والمهربين على دور الدولة والقوانين والجيش النظامي، مستوى ينبهر بالدعاية الإعلامية المكثفة التي ترافق هذا العمل قبل وبعد عرضه ويحب البطولات الزائفة، ومستوى آخر أنا منه، يجد بإمكانيات تيم وموهبته ما هو أهم من أن يؤطر نفسه بهكذا دراما وأدوار رامباوية مبالغ فيها وبحضورها المفتعل، وبتزييفها للواقع والوعي.”

8-في خطاب القسم الأخير لرئيس النظام السوري شاهدنا مجموعة ممثلين ومنهم السيدة منى واصف التي لها مكانة في أذهان السوريين، كيف تفسرين موقفها؟ وهل على الفنان إقحام نفسه بالسياسة بهذا الشكل الفج؟

“لا شك أن سياسة التخويف والإجبار تمارس على فنانينا كما على كل فئات الشعب السوري، ولا شك أن من بقي في الداخل محكوم بتهديدات النظام وابتزازاته الترهيبية بلقمة عيشه وبعائلته، لكن بالمسائل المصيرية المتعلقة بالمبدأ والكرامة وعدم خيانة المرء لنفسه ولشعبه، لاسيما أن الفنان لا يمثل نفسه فقط، بل هو يعكس ضمير الناس ووعيهم وآمالهم بمستقبل أفضل، من هنا لا يمكنني تبرير مشاركة الفنانين بتلك المهزلة مهما كانت الضغوطات، لاسيما بعد كل هذا الدمار والاحتلالات وهذا الدم الذي سفكه النظام تحت غطاء صمتهم. لقد سبق لي أن تعرضت لهذا الابتزاز وللتهديد بابنتي قبل مغادرتي سورية، ورفضت الظهور على أقنيتهم المزورة للحقائق ثلاث مرات، معلنةً أن ما سأقوله لن يكون في مصلحتهم، وإن سمحوا لي بقوله فبالتأكيد سيزورونه لاحقًا كعادتهم.”


9-مأمون البني وهيثم حقي مع حفظ الألقاب، مخرجان كبيران قدما للدراما الكثير؛ هل هما اليوم مبعدان عن الإخراج؟ وهل دفعا ثمن مواقفهما؟

” بالتأكيد هما كذلك ككل الفنانين الذين لم يقبلوا تزوير ضميرهم، ولا حتى ادعاء الجهل والسكوت عن استباحة شعبنا وغض الطرف عمَّا جرى بهدف كسب العيش على حساب الضمير والمبادئ والكرامة الإنسانية، كما يفعل الكثير من المخرجين المرتبطين بالنظام. ومن يحمي مبدأه وضميره في هذا الزمن الرديء لابد أن يدفع الثمن.

لذا تجد أغلب المخرجين المحترفين والأكاديميين أصحاب المواقف المبدئة مستبعدون لا يعملون، بل مساعديهم اللا أكاديميين هم من يحتل ساحة الإخراج حاليًا، وتكاد تطمس مرحلة التعامل مع الأفضل ومبدأ أن مع الأفضل يكبر الجميع.

ومأمون كان قد بدأ بدفع ثمن مواقفه مثلي حتى قبل الثورة، وخاصة بعد أن فاز مسلسله (أيام الولدنة) بخمس جوائز ذهبية غير مسبوقة بمهرجان القاهرة التلفزيوني، وحينها طلب وزير إعلام سورية من نظيره المصري أن يمنع الجوائز عن مسلسل مأمون وإلا سيعدونه موقفًا ضد سورية، فما كان من مأمون إلا أن هددهم بإعلان مؤتمر صحفي يفضح موقفهم، وبطلب اللجوء إلى مصر إن اقتضى الأمر، فسمحوا بالإفراج قسرًا عن الجوائز، لكنهم منذ ذلك الحدث منعوه بشكل غير معلن من العمل، وأي مسلسل يطلب منه إخراجه يتم سحبه منه دون مبرر واضح.”

10-كيف ترين الأعمال العربية المشتركة؟ وهل هي تجارية برأيك؟ وكيف يمكن للدراما السورية أن تعود لمسارها الصحيح؟

“كنت ومازلت دائمًا من المشجعين للأعمال العربية المشتركة، لكونها تجمع الهم العربي المشترك وتطور الخبرات، وتحقق التكامل الاقتصادي والفني والإبداعي والثقافي على مستوى الجمهور العربي، لتعويضه عن عجز حكوماته عن تحقيق هذا التكامل بجمع الصف العربي، حتى ولو على مستوى التكامل الاقتصادي الذي فيه مصلحة بحتة تفيد الجميع، لاسيما وأن قضايانا وهمومنا واحدة بحسب ما يعكسه لنا المشاهدين العرب حين يشيدون بأعمالنا السورية، لكن تحقيق ذلك بهدف تجاري بحت، يجعل أحيانًا من كل فرد في العائلة الواحدة يتحدث بلهجة بلد مختلف دون سبب واضح، تجعل الأمر زائفًا بل مضحكًا أحيانًا، ويفقد الدراما والعمل ككل مصداقيته وقوة إقناعه.

أما بالنسبة إلى عودة الدراما السورية لمسارها الصحيح فهو مرتبط بدءًا بعودة المصداقية للدراما السورية من جديد، وهي اليوم محكومة بنظام مزور للحقائق مدمر للثقافة والوعي وللبلاد والعباد!! وقد هجر معظم الطاقات الإبداعية من البلد وقضى على أي إنتاج أو حركة اقتصادية فاعلة، ولا أظنها ستعود لمسارها قبل إسقاطه، إلا ببعض التجارب الفردية التي قد تمول من الخارج بمال نظيف.”

11-أخيرًا، ماذا تود واحة الراهب أن تقول للسوريين في الداخل ودول الشتات؟

“على الرغم من المشهد المحبط المحيط بسورية وثورتها وشعبها المكلوم، أنا مؤمنة بهذا الشعب الجبار الذي قام بثورة الكرامة على الرغم من تضافر كل قوى الكون لإجهاض ثورته لمدة ما يقارب عشر سنوات، وكاد أن ينتصر لولا الخيانات والمال السياسي المفسد الذي رهنّ قوى وأطياف الثورة والمعارضة للخارج، فضلًا عن رأس النظام الذي استجلب احتلالات متعدّدة للحفاظ على كرسي الحكم.

لكني أؤمن أن الثورة انطلقت كفكرة، والأفكار لا تموت، فما بالنا بثورة كهذه صمدت وحدها في وجه كل قوى العالم التي عملت على نحرها شرقًا وغربًا، وما يزال أبناؤها يحلمون بانتصارها.

لا يموت حق وراءه مطالب، لاسيما مع شعبنا الذي قدم كل تلك التضحيات ليفوز بحريته، شعب كهذا قادر ولم يعد أمامه حل آخر سوى الخروج من هذا الاستعصاء، على أن يستعيد إيمانه بقوّته وإرادته وحقّه في السيادة وتقرير مصيره، واستعادة روح الثورة والمبادئ التي كانت تمثّلها، في الحرّية والكرامة وحقّ الشعب في تقرير مصيره بعيدًا عن وصاية الخارج وقوى الاستعمار عليهم وعلى القضية التي ضحّى من أجلها ملايين السوريين، بأرواحهم وبمستقبلهم وبأبنائهم وكل ما يملكون، وأن يستعيد توحيد قواه المفتتة حول شعارات الثورة الأولى التي ألهبت المشاعر والعقل معًا (الحرّية، والكرامة، والشعب السوري واحد)، معتمدًا على قدراته الذاتية لا غير، مدركًا أن لا أحد له مصلحة بمساعدته على تحقيق أيّ انتصار لأيّ ثورة حرّة، على حساب المصالح الاستعمارية ومصالح حكومات محيطة بنا أو حتى بعيدة عنا.

حرّية الشعوب وانتصار ثورة كهذه تهدد وجودها الاستعماري أو اللاشرعي، ومن دون انتظار وجود قيادية كاريزمية قد تعيد إنتاج الاستبداد من جديد، إيماننا بالحرّية والديمقراطية كفيل وحده بإنتاج قادة عظماء من بين الثائرين الأحرار من أبناء شعبنا، وإلّا فستكون بانتظار شعبنا حياة عبودية أقسى من كل المهانة التي عاشها سابقًا، بل أقسى من الموت ذاته في ظل وجود ما يفوق خمس احتلالات تدعم وجود نظام متوحش كهذا، ليبقى يفتك بشعبه ويبيده من دون حسيب أو رقيب.”

 

اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط