الغرب وروسيا أبعاد المعركة الخاسرة

أحمد وديع العبسي

676

لا تبدو روسيا بعد خمسة اشهر من الحرب مع أوكرانيا مترنحة أو متعبة كما أراد لها الأوروبيون، ولم تغرق في مستنقع شبيه بما حصل في أفغانستان كما أرادت لها الولايات المتحدة، ومن المؤكد أن روسيا ليست بأفضل حالاتها أيضاً كما أرادت هي، الخروج من الحرب بنصر سريع وحاسم.

إذن حرب التوقعات كانت خاسرة عموماً، لم ينجح أحد بحسم توقعاته من الحرب الروسية الأوكرانية، ولم توفق أي جهة في قراءة السيناريوهات المتوقعة من خلالها لا من قبل ولا حتى الآن، فالأمور تبدو أشد تعقيداً مما تظهر عليه في نشرات الأخبار، والأكيد في هذه المعادلة أن الأوكرانيين هم الخاسر الأكبر بتدمير بلادهم وجيشهم وما يعانونه من استغلال في سبيل انضمامهم إلى الاتحاد الأوروبي، الذي يبدو أنه مطلب بعيد المنال وشبه مستحيل، فمع كل التضحيات التي قدموها في الحرب والتي نالوا بها احترام العالم والأوربيين على وجه الخصوص، لكن يبدو أن هناك توازنات خاصة لا يريد أحد أن يعبث بها.

روسيا رغم نجاحها الكبير في تجنب الضربات الاقتصادية القاصمة، وإعادة الثقة بالروبل والوصول به إلى قيمة تفوق قيمته قبل الحرب إلا أن المؤكد أنها ترغب بالحسم وبتجنب أي خسائر محتملة، وتريد التقدم للأمام وليس الوقوف عند الجسر الأوكراني، فهي تريد أن تكون القطب الآخر في العالم وأن لا تعطي المجال كاملاً للصين لتلعب هذا الدور.

الأوروبيون هم أحد أكبر الخاسرين حتى الآن، فقيمة اليورو في انخفاض وتأثير العقوبات على مصادر الطاقة الروسية التي كانت تغذي أوروبا أدخلها في أزمة طاقة كبيرة، وأزمة داخلية بين أعضاء الاتحاد الأوروبي المنقسم بحسب اعتماده على الطاقة الروسية، وبحسب قدرة الدول الأعضاء على تحمل تبعات العقوبات على المدى القصير والطويل.

لن تنجح أوروبا في توفير بديل كامل للطاقة الروسية، وستزداد معاناتها كلما طال أمّد الحرب، والاستغناء عن الطاقة الروسية التي تعد أحد أكبر مصادر الطاقة في العالم سيجعل الروس يبحثون عن أسواق جديدة، وبالتالي طرق استراتيجية جديدة، وقوى صاعدة ومنافسة بشكل أكبر للأوروبيين، لأن الطاقة الروسية ستكون أرخص عموماً عندما يرفض كبار المستهلكين للطاقة في العالم شراءها، مما سيعني نمو أكبر للاقتصادات المنافسة كالصين والهند وتركيا كبلدان قريبة من روسيا، وربما بلدان أخرى في أفريقيا أو آسيا (باكستان – إندونيسيا – ماليزيا … وغيرها) كل هذه الدول مرشحة للاستفادة من مصادر الطاقة الروسية لتقوم بصناعات منافسة وتفتتح أسواق عالمية جديدة. وعلاقات استراتيجية جديدة وممتدة ربما تجعل روسيا أقوى من قبل أيضاً.

الولايات المتحدة تعتبر الرابح الأكبر من الحرب على المدى القصير، فكل المتعبين من الحرب هم منافسون أو أعداء، فالحرب وفرت للولايات المتحدة إعادة تأكيد تبعية أوروبا لها وإضعافها من جديد، كما أن الروس قد توقفت مخططاتهم للمنافسة حالياً، ولكن على المدى الطويل اعتقد أن الولايات المتحدة ستكون أحد أكبر الخاسرين أيضاً، لأن أزمة الطاقة في أوروبا ستعيد ترتيب أولويات الأنفاق لدى كثير من الدول، وبالتالي ضغط على سوق الصادرات الأمريكي.

كما أن صعود دول جديدة سيفكك قوة القطب الواحد إلى أقطاب متعددة وستجد أمريكا نفسها أمام عدد من المنافسين ستكون الصين أشرسهم، ولكنها ليست الوحيدة، وبالتالي فإن أي احتكاك بين هاتين القوتين سيعطي مجالاً أكبر للروس ولدول أخرى ليصبحوا أقوى، فما يجري اليوم يجعل الولايات المتحدة تدخل في حسابات معقدة جراء أي مواجهة.

على المدى البعيد أيضاً سيتضح أكثر تخلي الكثير من الدول عن الدولار كاحتياطي ومحاولة استبداله بالذهب أو بعملات أخرى، مما سيتسبب في هبوط حاد للعملة الأمريكية ولن يستطيع رفع سعر الفائدة انقاذها في كل مرة.

ما يجري في أوكرانيا كان يمكن أن يكون بسيطاً جداً لو انتصرت روسيا خلال أيّام، ولكن طول أمّد الحرب والخسائر الكبيرة المترتبة عليها وللجميع تقريباً باستثناء الصين حتى الآن، في مختلف القطاعات، خاصة بالنسبة للطاقة والغذاء يجعلها تعيد رسم خريطة جديدة للعالم لا يمكن التنبؤ بشكلها النهائي، ولكن ستزداد تعقيداً كلما طالت الحرب أكثر فأكثر.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط