القيم كحامل للتاريخ ومؤسس للاستراتيجيا

أحمد وديع العبسي

0 369

لا يمكن لأي جماعة أو فرد أو أمة أو حضارة على السواء أن تتجاهل التاريخ، أو أن تنقطع عنه، لأن هذا سيعني تجاهل وجود هذا الكيان مهما كان نوعه، بل إن حتى الجمادات، وكل ما هو موجود في هذا الكون، يكتسب قيمة وجوده من لحظة تاريخية ما .. تمتد وتستمر حتى تشكل هويته أو ماهيته، والمجتمعات والحضارات الإنسانية هي أكثر ما يتأثر بهذا البعد التاريخي الذي يشكله الماضي، وإن أي قطيعة مع هذا الماضي سيعني اختلالاً جوهرياً وكبيراً في تكوين هذا المجتمع، في هويته وفي وجوده وفي انتمائه وفي صفاته وطباعه وثقافته وسلوكه، وكل ما يتعلق به، ولا يمكن أن تحدث هذه القطيعة تجاه الفراغ، لأن الإنسان هو كائن تراكمي بطبعه، فلا يستطيع أن يُفرغ نفسه كفرد أو كجماعة من حمولة التاريخ الذي شكّله مالم يستبدلها بحمولة اخرى تشكل استناداً لوجوده قد تكون على شكل نظريات أو مجتمعات جديدة أو انتماء جديد.

لا أريد من هذا المقال أن أناقش قضية الهوية والعولمة والثقافة، وإنما قضية أثر التاريخ فينا، أثر التاريخ في تشكل الوعي والهوية وطبيعة المجتمعات واختلافها عن بعضها فيما بعد تبعاً لهذا الأثر، وأين تركز العولمة عندما تريد ابتلاع ثقافات وحضارات أخرى؟

لا شك أن أحداث التاريخ لا نستطيع الانسلاخ عنها، فهي أحداث انتهت تماماً، فلا يمكن إعادة تشكليها، وأكثر ما يمكن تجاهها هو تغيير الموقف منها، الإشادة بها أو إدانتها، الاعتزاز بها أو الاعتذار عنها، وهذه المواقف ليست ذات قيمة كبيرة لأنها لا تمثل من قام بها، لكنها مؤشر لطريقة سيرورة الحضارة من خلال وعيها التاريخي. كما أن أحداث التاريخ لا تلعب دوراً أساسياً في التكوين البيولوجي للحضارات إن صح التعبير، فالكثير ممن يجهلها لا يتأثر بها مطلقاً وهي تنتقل بين الأجيال كذاكرة ودروس وعبر وقصص وتجارب، تنتقل عبر حفظها وتدوينها، ويضيع الكثير من هذه الأحداث أثناء عملية التدوين، فالتاريخ يكتبه المنتصرون كما في المقولة الرائجة.

الأكثر أهمية في التكوين البيولوجي للحضارات ولأفرادها هي القيم، تلك المحركات التي تنتقل رغم الجميع كسلوك وثقافة ووعي ومواقف أصيلة من الأشياء والعالم والحياة، يلعب المعتقد دوراً محورياً في صياغتها وحمايتها وحملها، وعليها يتم التركيز في موجات العولمة لإعادة تكوين الناس والمجتمعات وإفراغهم من تاريخهم وملئهم من جديد.

القيم هي ما يبقى وهي ما يحمي الناس، وهي ما يشكّل المجتمعات والهويات والاختلافات بين البشر، وتغييرها هو الذي يعني بدايات تاريخية جديدة، أو أحداث تاريخية عظيمة، لذلك فإن من أعظم الأحداث التاريخية التي ما زالت حاضرة ومستمرة ومتنامية إلى اليوم هي الأديان، لأن الأديان تستهدف القيم في رسالتها بشكل رئيسي ومباشر ومحوري، فهي تشكل مفاصل تاريخية عظيمة وبدايات لهويات وشعوب وأمم مختلفة ما زالت راسخة ومستمرة، وتشكل امتدادات لحضارات وأمم عظيمة تترابط شعوبها المختلفة فيما بينها عبر القيم التي حملتها الأديان ودافعت عنها، وتمثّلتها في شعائرها وتعاليمها وتشريعاتها.

التاريخ بطبيعته الماضوية حاكم لتجاربه، لا تنفك عنه ولا يمكن محاكمتها إلا ضمن ظروفه، أما قيمه فتمتد للحاضر والمستقبل وتشكل العقائد والمبادئ التي ينتمي إليها الناس ويحاربون في سبيلها، هذه القيم هي ما يحفظ الوجود الحضاري للأمم، وبنفس الوقت هي ما يحفظ التاريخ من الانقطاع والاندثار وما يربط الماضي بالحاضر والمستقبل، لأنه لو شكل كل عصر قيمه الخاصة لتعدد البدايات التاريخية للشعوب ولانقرض جزء كبير من التاريخ لم يعد له أي منعكس أو وجود أو ظل في الحاضر.

هذا يعني أننا نتمثل القيم والمبادئ واللحظات التاريخية العظيمة والمؤثرة حين نبني حاضرنا ونتطلع إلى مستقبلنا، ولكننا لا نتمثل أحداث التاريخ كما كانت ولا يجب أن تنعكس لدينا أحلافه وخصومه فقط بدواعي الثأر والخصومة التاريخية، فأعداء الأمس ربما هم حلفاء صناعة المستقبل، وحلفاء الأمس ربما يكونون في عين الخصومة والمحاربة، القيم هي التي تحكم، وهي التي تجمع الناس وتفرقهم، مهما كان شكلها، لذلك من السهل أن نرى أن العالم منقسم بين من يتبنون قيم المادة والمنفعة، وبين من يتبنون قيم الإنسان والعمران. ومصالح الناس والمجتمعات إنما تستند بشكل رئيسي على القيم إذا أريد لها الديمومة والاستمرار، أمّا غير ذلك، فهي مصالح مؤقتة وآفلة.

اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط