المساواة والتعامي في ثقافة الغرب

0 61

ترتكز الحضارة الغربية في أحد جوانبها المهمة جدًا والقيّمة على لحظ الفروقات بين الأشياء والناس، وعدم معاملتهم بالطريقة نفسها؛ لأن هذا سيؤدي إلى ظلم الضعفاء، أو عدم المساواة والعدالة الحقيقية بين الأشياء التي يكون بعضها أفضل من بعض.

وقد انعكست ذهنية لحظ الفروقات على كثير من المجالات، فمثلاً في مجال الرياضة هناك تصنيفات بحسب الأعمار تجعل المنافسات بين الرياضيين أكثر عدالة، وكذلك بالنسبة إلى الأوزان في بعض الرياضات التي تعتمد على القوة؛ لأن الوزن له دور أساسي بالتغلب على الخصم، وفي الوظائف لا يطلب من أصحاب الخبرات الكبيرة ما يطلب ممَّن هم أقل منهم خبرة، ولا يطلب من الضعفاء ما يُطلب من الأقوياء.. وما إلى ذلك.

لكن الغرب نفسه لا يستطيع لحظ الفروقات الكبيرة بين الرجل والمرأة في البنية الجسدية والوظيفية، عندما يشجع التيارات النسوية على طلب المساواة بالرجال في كل شيء، وليس ذلك غريبًا رغم أنه خاطئ جدًا وظالم جدًا لكلا الطرفين، ذلك أن الغرب بما قدَّمه من ظلم المرأة وتحميلها ما لا تطيق من الأعباء بداية جعلها تصل للمطالبة بالمساواة الكاملة كنتيجة حتمية للمقدمات الظالمة التي عملت بها الحضارة الغربية على استغلال المرأة وإقحامها بمجالات متعبة ومرهقة وغير مناسبة لها.

فالحضارة الغربية أخلت مسؤولية الرجل عن رعاية الأسرة، وجعلت الرعاية قسمة بين الطرفين في كل شيء وليس في البنية الوظيفية، كما أنها أقحمت المرأة في سوق العمل بشكل كامل، غير متوازن وغير مسؤول، ودون نظر إلى ما تستطيعه المرأة ممَّا لا تقدر عليه، واستغلت المرأة بشكل كامل في الدعاية والإعلان ومارست عليها ضغوطات كبيرة كسلعة وليست كإنسان، ممَّا نتج عنه مطالبة المرأة الغربية بالمساواة في النتائج بعد أن حدثت المساواة في المهام الحياتية المختلفة.

وهنا وبشكل مختلف عن كل المجالات الأخرى التي لحظت بها الحضارة الغربية الفروق من أجل العدالة، صارت المساوة هي الهدف والعدالة الجديدة بعد أن تم تشويه العدالة بداية عندما أثقلت المرأة بما لا تطيق، والانطلاق من هذه المقدمات المرهقة والمتعبة وغير المتوازنة، والانتهاء إلى النتائج التي جعلت المجتمع الغربي متشابه رجالاً ونساء هو ما أدى بعد ذلك لتفككه وتدمير بنية الأسرة فيه، فلم يعد أحد الطرفين (رجل وامرأة) يشعر بحاجته الآخر خارج إطار الرغبات الجسدية، كالحاجة للطعام والشراب، ولعبت هذه الثقافة الجديدة دورًا في الشعور بعدم الحاجة لأي علاقة أخرى، فكل إنسان مسؤول عن نفسه فقط، كما أن لهذه الثقافة دور أساسي في الوصول إلى الشذوذ الجنسي، فالمجتمع لم يعد يحمل قيم الرجال والنساء، بل صار مجتمعًا يحمل أنواع الذكر والأنثى، وهذه الأنواع متشابهة في كل شيء، وتستطيع الاستغناء عن بعضها إن أرادت، والاكتفاء بنوع واحد.

 

 

المدير العام | أحمد وديع العبسي  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط