انتصار القدس

أحمد وديع العبسي  

0 89

يحق لأهالي غزة وفلسطين أن يفرحوا بانتصارهم، وكل العار لأولئك الذين ينامون فوق أسرتهم الوثيرة محاولين أن يسلبوا ألق الانتصار من عيون آباء وأبناء وأمهات الشهداء والضحايا، عندما يقول المكلومون إنهم انتصروا، فقد خاب المطبعون والمرقعون الذين يحاولون تذكيرهم بالمأساة والألم الذي تكبدوه في سبيل هذا النصر.

ومن قال إن المعارك تنتهي بدون ضحايا وخسائر؟! لكن النصر في النهاية لمن تبقى الرسالة في قلبه أمضى وأكثر رسوخًا، ويبقى قادرًا على حمايتها وتوريثها للأجيال القادمة، والمهزومون هم أولئك الذين تزاحموا في المطارات ليخرجوا من بلاد يعلمون أنها ليست لهم، ولا يريدون أن يموتوا فيها مقابل اللاشيء.

هذا الانتصار حققته القدس والأقصى، رغم أن معاركه المؤلمة قد دارت رحاها في غزة وفي كل فلسطين، إلا أن قداسة الرسالة والحقوق هي من أشعلت العزائم في النفوس، وجعلت كل الخسائر هينة في سبيل ما يؤمن به أصحابها، لقد أثبت انتصار القدس أن الحقوق لا تُنسى، وأن القضايا العادلة لا تموت، حتى لو اجتمع مجرمو الأرض كلهم وإعلامهم وأموالهم والخونة من أبناء القضية ليخنقوها، ويقطعوا أنفاس أصحابها، إنما تعود أقوى وأمضى في كل مرة، كأنني أنظر إلى عيون الفلسطينيين كلهم وهي معلقة بالأقصى ولسان حالهم يقول: “كل مصيبةٍ بعدك جلل” .

لا أجد انتصارًا أفضل في هذه الأوقات من الحجم الكبير الذي أُعيد به إحياء قضية القدس وإعادة بعث قدسية الأقصى ومركزيته في نفوس المسلمين بعد موجات مخزية من التطبيع، ومحاولتها تذويب الحقوق ونسف الثقافة التي تجعل القدس جزءًا من هوية الأمة كلها، وتجميلٍ ممنهج لصورة الصهاينة، والعمل على التقرب منهم في ظل انتكاسة كبيرة كانت تعيشها معظم شعوب المنطقة، ممَّا جعل هذه الشعوب مستعدة لتقبل أي نوع من الأفكار في سعيها للخلاص من طغيان حكامها وإجرامهم.

لا أجد خسارة أكبر للصهاينة من عودتهم ليكونوا العدو الأول لهذه الشعوب إثر معركة صغيرة كهذه، بعد كل ما أنفقوه وتكبدوه في سبيل التطبيع وتغيير ثقافة وهوية المنطقة.

يبقى أمر واحد يحزّ بأنفسنا نحن السوريين، إذ نشعر أن قضيتنا هي امتداد لقضية القدس بإحدى صورها، ونرى أن تحرير القدس وهزيمة رأس الشرور في المنطقة المتمثل بالكيان الصهيوني كفيل بأن يُسقط كل أدواته وأذنابه في بلادنا، هذا الأمر هو مديح إيران وشكرها من قبل بعض الفلسطينيين بعد الانتصار، وإيران هي الدولة الموغلة بدمائنا وهي أبرز أسباب مأساتنا، ولا يمكن أن نقبل أو نتفهم ما يفعله البعض متجاهلاً كل الدماء والعذاب الذي تجرعناه وما زلنا، لكن حسبنا أن نعاتبهم فلا نصر كامل إذا كان وراءه مجرمون، وعسى أن يخلصنا الله وإخواننا من كل الطغاة والمستبدين والمستعمرين والمتصهينين.

المدير العام | أحمد وديع العبسي  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط