حراثة الأرض بالدَّواب تعود للواجهة بعد انقراضها

حسن كنهر الحسين

0 72

يستيقظ (أبو محمد) صباح كل يوم ويحضر زاده ويجمع متاعه وما يلزمه من أدوات يستخدمها في الحراثة، ثم يحملها على دوابه ويتجه لعمله في حراثة الأراضي، فهي مهنة قديمة بالنسبة إليه توارثها عن آبائه وأجداده ومايزال يحافظ عليها حتى الآن.

يقول (أبو محمد): “أستخدم تلك الطريقة من الحراثة بواسطة الحمير، وهذه المهنة مصدر رزق لي ولأسرتي، إلى جانب عملي في الزراعة باقي أيام السنة.”

ممَّ تتكون عدة الحراثة اليدوية؟

أدوات بسيطة يستخدمها (أبو محمد) في حراثة الأراضي، وهي عبارة عن زوج من الحمير يقوم برصفهما جنبًا إلى جنب بواسطة أداة تسمى (النير)، وهي أداة مصنوعة من الخشب يتم وضعها على ظهر الحمير وتستخدم لتنظيم سيرهما وفق خطوات موحدة، و(كتافيات، وكدانة من الصوف) يتم وضعها حول رقاب تلك الحمير لتجنب عقرها من النير، و(صمد من الحديد الملتوي) يتم تعليقه على النير وتمريره على الأرض، ويتم وضع (سكة حديد) في أسفله  بطول 30سم، حيث يمتد ذلك الصمد ليد الفلاح والذي بدوره يتحكم بتلك السكة من خلال رفعها وغرسها في التربة، حيث تتم عملية الحراثة بواسطة ما يسميه أبو محمد (المساس)، وهو عبارة عن عصا يتم لفّ الحبل حولها، وتستخدم لتسيير تلك الدواب بالاتجاه المطلوب، يرافقها كلمات يطلقها أبو محمد لتسيير تلك الدواب وفق ما يريد.

يقول (أبو محمد): “مجمل تلك الأدوات ورثتها عن والدي الذي كان يعمل في تلك المهنة، أما بالنسبة إلى الصمد فقد قام بصنعه لدى أحد الحدادين الموجودين في بلدته وفق مقاس يناسبه، وقد كلفه تصميمه 75000 ل.س، والأمر نفسه بالنسبة إلى الحمير، فقد ارتفع سعرها أضعافًا لقلة عددها بعد ظهور الآلات الحديثة، ولجوء الأهالي إليها في الفترة الأخيرة لاستخدامها في عمليات الحراثة، وبحسب (أبو محمد)، فإن سعر الواحد منها يتراوح حاليًا بين الـ  500000ل.س والـ 800000 ل.س، ويعود ذلك تبعًا لعمرها وقوتها البدنية وشدة تحملها للعمل في الحراثة.

 

أسباب العودة إلى حراثة الأرض بالطرق القديمة

تُعدُّ تلك الطريقة المتبعة من الحراثة من الوسائل القديمة التي تلاشت عبر العقود الماضية بعد ظهور مجموعة من الآلات الحديثة التي تم استخدامها في عمليات الحراثة الحديثة مثل الجرارات والفرامة وغيرها التي تتميز بسرعة أدائها وانتظامه، إلا أن تلك المهنة ما لبثت أن عادت إلى الواجهة في السنوات القليلة الماضية بعد ارتفاع أجور الحراثة بتلك الآلات نتيجة ارتفاع ثمن الوقود بشكل كبير، حيث وصل سعر اللتر الواحد من الديزل المشغل لتلك الآليات إلى قرابة 1800 ل.س، فاضطر العاملون في تلك الآلات لرفع أجورهم، وبحسب (عمر عثمان) صاحب جرار، فإن أجور حراثة الدونم الواحد بلغت 3500 ل.س، أي ضعف أجورهم في العام الماضي، ويعزو (عمر) الأسباب إلى غلاء سعر الوقود في الدرجة الأولى بالإضافة إلى غلاء سعر قطع التبديل وارتفاع نفقات المعيشة، لذلك لجأ الكثير من الأهالي لحرث أراضيهم بواسطة الحمير.

الحراثة التقليدية أجور زهيدة وميزات يفضلها كبار السن

تعدُّ أجور الحراثة التقليدية بسيطة بالمقارنة مع أجور الحراثة بالآلات الحديثة، فالعامل بالحراثة التقليدية يتقاضى أجورًا تتراوح بين الـ 1500 والـ 2000 ل.س، وهي أجور قليلة إذا ما قورنت بأجور الجرارات الآلية التي ترتفع موسمًا بعد الآخر.

يقول (مصطفى العلاني) من ريف سلقين: “لدي خمسة عشر دونم من أشجار الزيتون، وقد اضطررت هذا العام لحراثتها عن طريق الحمير بعد لجوئي لأحد الفلاحين من القرى المجاورة الأمر، وقد وفَّرت أكثر من ثلث مصاريف الحراثة”.

بالرغم من اضطرار الكثير من الأهالي للحراثة بواسطة الحمير، إلا أنه هنالك العديد من أصحاب الأرزاق مايزالون يفضلون تلك الطريقة عن غيرها من الطرق حتى يومنا هذا، وخاصة كبار السن ومنهم الحاج (عبد الكريم)، فهي طريقة تمثل تراثه وتراث أجداده الذي نشأ عليه، كما أنها تعدُّ أضمن من باقي الطرق التي تعتمد على الآليات التي تتسبب في عطب الأشجار وخلع شروشها وتكسير أغصانها.

يواجه العاملون بالحراثة القديمة صعوبات جمَّة في تأمين المستلزمات اللازمة لتلك المهنة، بالإضافة إلى صعوبة في تأمين الحمير، فجميع من يعملون بها في الوقت الحالي لجؤوا إلى أدوات منسية ورثوها عن آبائهم وأجدادهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط