حماس والأسد

أحمد وديع العبسي

91

منذ أيام تحدثت حركة حماس عن عودة العلاقات بينها وبين نظام الأسد، وربما تعتبر هذه الخطوة أسوأ ما قامت به الحركة على مدار السنوات السابقة من الثورة والحرب السورية. وربما يرى كثيرون مثلي لو أن الحركة التزمت الصمت من البداية لكان خيراً لها ولنا (نحن جمهور الحرية على الأقل). فالحياد أحيانا يتم فهمه في إطار المصالح السياسية، أمّا الانحياز للقتلة والمجرمين (سليماني وإيران والأسد مؤخراً وحزب الله فيما بعد) من الصعب تقبّله حتى في إطار المصالح السياسية، خاصة أن الحركة تقدّم نفسها كحركة مقاومة تعتصم بالمبادئ، وتقاتل في سبيل الحقوق ولنصرة المظلومين، ولا تقدم نفسها كتيار سياسي أولاً كما تفعل حركة فتح على سبيل المثال.

لا أريد لأحد مطلقاً أن يبرر للحركة ما فعلته وتفعله، ويجب أن يلحقها من السوريين على الأقل سبّة الدهر، كما يجب أن يراجعوا انفسهم كثيراً قبل إبرام أي اتفاقات مع هذه الحركة والحركات المشابهة في المستقبل، فالأداء السياسي وإن كان له ما يبرره في ميادين معينة، ولكن يجب محاربة تطبيعه اجتماعياً عندما يكون مخالفاً للثوابت.

فالأمة أو جمهور الناس يقاومون العدو مالم تتطبع علاقاته معهم، لذلك تشترط إسرائيل في كل محادثات السلام أن يكون هناك تطبيع للعلاقات في الميادين الاجتماعية والسياسية، لأنها تريد أن تخسر عداوة الأجيال القادمة، وهذا هو المهم، أمّا الأجيال الحالية فمهمتها فقط إبرام التحالفات وتوقيع الاتفاقيات وفتح أبواب التطبيع.

على الجانب الآخر فإن حماس لا تمثل قضية القدس الأصيلة والثابتة في مرجعياتنا وثقافتنا، وإنما تمثل أحد أساليب المواجهة التي اختارها بعض الفلسطينيين لا جلّهم، فلا يجب أن تنعكس مواقف الحركة على عدالة القضية الفلسطينية وموقفنا منها، مهما صدر من أفعال غير لائقة ممّن يناضلون في سبيلها، فالقدس قضية مركزية جداً في التاريخ والتراث والمعتقد.

في قادم الأيام قد يقوم بعض السوريين بما قامت به حماس من حيث إعادة العلاقات مع الطاغية أو المصالحة معه في سبيل إيجاد حل أو مخرج للقضية السورية العالقة، أو ربما يتحالفون مع الصهاينة كبديل عن الأسد، وبعضهم اليوم يتحدث بشكل يومي إلى الروس وهم متوغلون بالدم السوري، هؤلاء لهم وجهة نظرهم التي لا يحترمها أولياء الدم، ولا يطلب أحد منهم احترامها، كما لا يجب أن يتم تبرير ما يقومون به كجزء من الفعل السياسي الذي سيساهم في حل القضية السورية بأي شكل، ولا يجب أن يتم تطبيع هذه الأفعال اجتماعياً مهما كانت الحاجة إليها لأنها منافية للأخلاقيات والثوابت الاجتماعية التي تمنح المجتمعات هويتها وصلابتها وتحافظ على حقوقها، وتمنحها أيضاً القدرة على المقاومة والمناورة مستقبلاً عندما تتغير الظروف.

إن تطبيع الأداء السياسي هو ما يجعل السياسيين أكثر ضعفاً وأكثر ارتزاقاُ وأقل قدرة على تحصيل المكاسب، لأن التطبيع يورث شعوباً مستكينة راضية بأي شيء، بينما تمنح الشعوب الغاضبة المتمسكة بحقوقها قوة كبيرة للسياسيين الذين يمثلون مصالحها وقدرة أكبر على المناورة التفاوضية، لأنها تضع على عاتقهم مسؤولية أكبر في تحصيل أعلى سقف تفاوضي.

الخلاصة التي أودّ الوصول إليها هي أن الأفعال السياسية لا يجب أن تبرر، والأداء السياسي الفعال أو الأحمق هو أداء في مساحات لا يجب أن تجد صدى شعبي لها في كل مرة، وأحيانا يجب محاربتها حتى لو كانت هي الأمر الواقع، يجب أن تحارب حتى لا تتحول الممارسة السياسية إلى ممارسة اجتماعية مقبولة وطبيعية، فالسياسة هي أداء غير المقبول وغير المرحب به غالباً، ولا يجب أن يتحول إلى العكس. وتطبيع ما يقوم به السياسيون هو أحد أدوات ممارسة الاستبداد والطغيان.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط