ذكريات مملّة عن حلب والتهجير

أحمد وديع العبسي

0 370

لقد تعبنا جداً، لدرجة أني أصاب بالملل من استعادة الذكرى في كل عام …

يبدو أن وقتاً طويلاً مرّ منذ ذلك اليوم الذي انتزعت به أرواحنا من الأرض التي ولدنا عليها.

ولكن ماذا عليّ أن أتذكر؟! الدماء .. الخيبة .. الخونة .. الفشل .. الانتكاس .. الجريمة .. مواقف الدول الكبرى والصغرى التي كانت وما زالت تتفرج على المذبحة ونحن لاجئون لديها ونسبح بحمد عدالتها!! .. الكذب الذي يتردد في كل عام .. الباصات الباردة .. اللصوص في ذلك اليوم ونحن نقتلع من أرضنا .. الإهانات التي تعرضنا لها في تلك الساعة من أقرب الناس إلينا .. تعجرف قادة الفصائل وجنودهم في ساعات التهجير … …

بصراحة لا أعرف ولا أودّ أن أعرف تماماً ما الذي يجب تذكره …

نشتهي أن نعود كما يفعل كل المهجرون، نجيد احتراف الكآبة والبكاء على تلك الأيام التي نصفها بالجميلة

ولكن الحقيقة تكاد تُدخل اليأس إلى قلوبنا،

ما زال الطغاة يملؤون الأرض، وما زلنا نحن لا نفعل شيئاً سوى الصراخ .. أو سمّه الهتاف كما يروق للثوار

ولكن هل يعرف أحدكم أرضاً تمت استعادتها بالبكاء والصراخ والهتاف والصور والحكايات والكآبة والحزن و …

نحن مسكونون بالعجز، ولكننا نحب أن نبدو كأبطال، وكمظلومين وكأصحاب حق، وترتاح أنفسنا للخطابات الجيدة التي نلقيها وكأننا على موعد بالنصر، دون أن نتحرك تجاهه بشيء.

لقد أسسنا حياتنا بعيداً جداً في بلدان اللجوء كمن لا يرغب بالعودة، وما زلنا نصرخ في هذا العالم كالأطفال بأن عليه أن يحرر بلدنا ويعيدنا إليها بكامل العزة والكرامة!!

ولكن العالم لا يهتم لصراخنا، على العكس تماماً .. أنه يستثمر فيه كأداة للغناء والمال والأعمال، فلا تتوقعوا أن يقوم العالم بما عجزنا نحن عن القيام به، إلا عندما تتغير شروط الاستثمار .

نحن هذا اليوم وهذه الساعة، نتقاتل ونتخاون ونتسلط على بعضنا البعض وننتج الطغاة في جميع المجالات على اتساعها، وجميعنا يدعي أنه وحده صاحب الحق والفضيلة، والأنكى من ذلك أن المنظرين من خارج الحدود مثلي مازالوا يصدعون رؤوس الناس بنظرياتهم عن الحرية والوطن والفداء، والكثير منهم لا يستطيع تحمل عبء لقمة خبز توضع في فم جائع يغرق في وحول المخيمات …

إننا لا نستحق حتى الحديث عن المأساة، لأننا جزء منها، ولكننا نفعل ذلك، لا يضيرنا شيء، ولا نخجل من أنفسنا .. فنحن نوصل صوت الآخرين كما ندعي، نوصله إلى من هم خيرٌ منّا ليساعدوهم .. لأننا لا نفعل .. غالباً لا نفعل …

إننا في الحقيقة لا نحب هذه البلاد، ولا يعنينا في شيء دمارها وحصارها، ولكنها جزء من ذواتنا التي نريد أن نبرزها، أن نتزين بها، لذلك سنستمر في اجترار هذه المأساة وغيرها في كل عام

إننا باختصار نتغذى عليها .. وتمنحنا شعوراً استثنائياً بالتميز

للأسف هذه هي الحقيقة عند الكثيرين .. ويبقى الآخرون لا يضرهم من خذلهم …

اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط