ربيع المولد النبوي بين عاطفة المحبة و فضيلة النزوعِ إلى التغيير

ملهم الشريف

103

▪ تـمـهـيـد:
• ممّا لا شكَّ فيه أنّ عاطفةَ المحبّة للنبيّ الكريمِ من أسمى العواطفِ و أشرفِها و أرقاها على الإطلاق في حياة المسلم/المسلمة بل إنّ هذه المحبّـةَ الأصيـلـةَ لِـ نبيّنـا حبيبنـا و قـدوتِـنـا و قـائـدِنـا مُـحَـمَّـد – صلّى الله عليه و آله و صحبِه و سـلّم – مَـنْ أكـرمَنـا اللهُ بِـبعثتـه فأخرجَنا برحمتِه من ظلمـاتِ الجهـلِ إلـى رحـابِ الإيمـان لَدليلٌ واضحٌ على خيريّةِ أمّتنا فهـذه العاطفةُ السـامية بالحـبِّ الصـافـي لَـتـثبتُ قـولَ نبيّنـا إذا قـال من حـديث عمّـار بن ياسـر – رضي الله عنه – (( أمّـتي كالمـطـرِ لا يُـدرَى أوّلُـه خيـرٌ أم آخـرُه )) [ ابن كثير في جامع المسانيد و السُّنَن ]
و قد تكـلّمُ أهـلُ العلم في شرحِ مُـرادِ النبي الكـريـمِ من هذا الحـديـثِ بقولهم ” أرادَ النبيُّ -صلّى الله عليه و آله و صحبه و سلّم- أنْ يصفَ الأمّـةَ كلَّهـا بالخيـر ، فكأنهـا للناظـرِ إليها نسيجٌ واحـدٌ لا يرى خلافاً ظاهراً في أوّلِهـا و آخرِهـا لِكثرةِ الخيـرِ في جميعِ طبقـاتٍهـا ؛ فكـأنهـا سلسلةٌ متّصلةٌ مع اختصاصِ كلِّ طبقـةٍ بخاصيةٍ و فضيلةٍ تُوجِـبُ خَـيريَّـتَـهـا ، كما أنَّ كـلّ نوبـةٍ من نُـوَبِ المطـرِ لها فـائـدةٌ في النشوء و النَّمـاء لا يُمكنُ إنكـارُه … فكلُّـهـم -أي الأوَّلون و الآخرون- مغفـورٌ لهـم و سعـيهـم مشكــورٌ و أجـرُهم مـوفورٌ -بإذن الله و فضلِه – إنْ هـم أخلصـوا و عملـوا “.
• فعاطفةُ المحبّةِ الصادقةِ للنبيِّ لَتظهـرُ بجـلاء تـام أنّ الخَيـريَّـةَ الإيمـانيّـةَ في هـذه الأمَّـة أصيـلـةٌ عميقـةُ الجـذور ؛ فَـلَئِـن خَـفـتَ بريقُـهـا لظروف و أحـوال فـإنَّ ألقَـهـا سُـرعـان ما يـعـودُ صحـوةً تنيـرُ بصيـرةَ الإيمـان في النفـوس و تبثُّ روحَ العزيمـة و الانطـلاقَ نحـو العمـل فـي أوصـال هـذه الأمّـة بغيـةَ الارتقــاء و التغييــر عسـاهـا تعـاودُ اسـتـلامَ دفّـة الحضـارة لما تمتلكُه من مقـوماتِ النهـوضِ و الاستمرار و البنـاء .

▪ ضـرورةُ الخـروج إلـى نطـاق التغييـر :
… لكـنّ هـذه الخيـريّـة في الأمّـة لابدّ لهـا أنْ تخـرجَ مـن حيـز الانفـعـال العـاطـفـي الوجـدانيّ إلـى حيّـز التغييـرِ المؤثِّـرِ المثمـرِ عمـلاً و التـزامـاً و إعـداداً و بنـاءً ليتحققَ فيهـمُ الإيمـانُ كمـا أرادَه البيـانُ القـرآني عندمـا خـاطبَ اللهُ – سبحانه – نبيَّه المصطفى مبينـاً جـوهـرَ الإيمـانِ كمـا أرادَه -سبحانه- { فَـلا و ربِّك لا يُؤمنونَ حتى يُحكِّـمُـوكَ فيمـا شجـرَ بينهـم ثُمّ لا يجِـدوا في أنفسِهم حَـرَجـاُ ممّـا قضيتَ ، و يُسلِّمـوا تسليمـاً } [النساء :65]
فاللهٌ سبحـانه يُقسِمُ بذاته العليّةِ الكريمـة المقـدَّسة أنّه لا إيمـانَ لأحـدٍ حتى يحَـكِّـمَ نبيَّ الله -صلّى الله عليه و سلّم- في جميعِ الأمـور ؛ فمَـا حكـمَ بـه هـو الحـقُّ الذي يجـبُ الانقيـادُ لـه و الطـاعـةُ مـع الـرضـا ظـاهـراً و بـاطنـاً فيُسلِّمـون لذلك تسليما كُلِّيّـاً من غيـرِ مُمانعـةٍ و لا مُـدافعـةٍ و لا مُنازعـة كمـا وردَ في الحـديث (( و الذي نفسي بيـده لا يُؤمنُ أحدُكم حتى يكونَ هواه تَـبَـعَـاً لِمَا جِئتُ بـه ))[حديث صحيح] .
فمحبّةُ النبيّ – صلّى الله عليه و سلّم – و نُصرتُه وفق بيـان الله سبحانه هي محبّةُ عمـلٍ و امتثـالٍ و تطبيـقٍ و تسليمٍ مطـلَق لأوامـره و هـو جـوهـرُ الإيمـان و حقيقـةُ الاتّبـاع لـه -صلّى الله عليه و سلّـم- .

▪ الخروجُ إلى حيّزِ التغيير :
و تأسيـسـاً على مـا سبقَ لابـدّ من توثيقِ عُرا المحبّةِ و دعمِها بعمـلٍ تعـودُ فيـه الأمّـةُ بجميعِ طبقاتِهـا و شرائحِهـا ؛ كبارِهـا و صغـارِهـا ، رجـالِهـا و نسـائِهـا ، شبـابِهـا و شِـيبِهـا ، حـاكمِهـا و محكـومِهـا إلى جـذورِ ديـننـا الحنيـف الذي أدَّاه إلينـا نبيُّـنـا – صلّى الله عليه و سلّم – أجمـلَ ما يكـونُ الأداء ، و تحمّـلَ في سبيل هـذه الغـايـةِ الشـريفـةِ المشـاقَّ و الألـمَ و الإيـذاءَ و فَـقْـدَ الأحبّـةِ و الأصحـاب ، و جـاهـدَ في سبيل أداءِ هـذه الـرِّسـالـة السماويّـةِ التي حمَّـلَـه إيـاهـا ربُّـه خـالقُـنـا و سـاترنـا و رازقنـا المـتفضِّـل علينـا بـواسـعِ إنعـامـه …
• فمـا أحبَّ النبيَّ حقيقةً مَـن تخلّـى عن نـداء اللهِ سبحانه يوم نـادى نبيَّنـا بنـداء العلـم نداءِ النهـوض و السعـي لاستـلام زمـام الحضـارة علمـاً و أخـلاقـاً و ريـادةً و تقـدُّمـاً و خيـريَّـةً للإنسـانيـة بأسرهـا بنـداءِ ربِّ السموات و الأرضيـن { اِقــرأْ • باسمِ ربِّكَ الـذي خلـقَ • خلـقَ الإنسـانَ من عـلـق • اِقـرأْ و ربُّك الأكـرمُ • الـذي عَـلّـمَ بالـقـلمِ • علّـمَ الإنسـانَ مـا لـم يعـلـمْ } [اِقـرأ].
• و مـا أحبّ النبيَّ -صلّى الله عليه و سلّـم- قـومٌ لـم يُحسِنـوا قـراءةَ سيرةِ نبيّهـم قـراءةَ فهـمٍ و وعـي و تحليـل و نفـعٍ و تطبيـق ، فيحلِّـلـوا مواقفَـه و يتعلّمـوا فضـائلَـه و يتنـسَّمـوا شمـائـلَـه و يـدرسـوا إدارتَـه و اختيـارَه قـادَتَـه ، و يتبصّـروا أبعـادَ فتـوحـاتِـه و كيـفَ أرسـى حضـارتَـه و ربَّـى جيـلَ التمـكيـنِ من صحـابتِـه حتى غَـدَوا رجـالاً بهمَـمِهم و قـدواتٍ بـثبـاتهـم و سمـوِّ أهـدافهـم …… فيستثمروا ذلك كـلَّـه في تغييـر واقعنـا نحـو العـزة و التمكيـن علمـاً و قـوةً و أخـلاقـاً .
• و مـا أدكَ حقيقةَ الحبِّ للنبيّ قـومٌ لـم يعـوا حقيقـة قـولَ نبـيّنـا (( كلكـم راعٍ و كلكـم مسـؤولٌ عن رعيتـه )) [أخرجه البخاري] فـأضـاعـوا أمـانةَ التربيـة و الإعـداد لأبنـائهـم ، و اجتثـاثِ مظـاهـرِ الفسـادِ من بيـوتهـم ، و تصـويبِ و توجيـه أفعـال و كلام زوجـاتهـم و أبنـائهم و بنـاتهـم …
• و مـا أحبَّ النبيّ قـومٌ جعـلوا التعليـمَ حكـراً على ذكـورِهـم دون بنـاتهـم ؛ و كأنهـم أشـاحوا بوجههم عن حقيقـة أنّ بنـاءَ الأمّـة إنمـا يبـدأ من نسـائهـا فهُـنَّ صانعـاتُ الرجـال و مربيـاتُ الأجيـال ؛ فبـتـربيـةِ و تعليـمِ البنـاتِ إنمـا نعـدُّ أُمّـةً برجـالهـا و نسـائهـا … و لنـا في رسـولنا أسـوةٌ حسنـةٌ إذ قـال (( طلبُ العلـم فـريضة على كـل مسلم )) -مسـلـم بذكـوره و إنـاثـه كمـا ذهب إليه أهـل العـلم- و العـلم بنوعيـه الشرعي و الكونيّ .
• و ما أحبَّ النبيّ آبـاء وسَّعـوا شرخَ الانقسامِ و الفرقـة بين أبنـائهـم فحـرموا بنـاتهـم من حقهـم الشرعي في الميـراث الذي فرضه الله سبحانه { للذكـرِ مثـلُ حـظِّ الأُنـثَييـن } و حصروا ثروتَهـم في أبنائهـم الذكـور ، ثـمَّ يُوصُون و هـم على فراش المـوت أبنـاءَهم -ذكوراً و إنـاثـاً- بأنْ كونوا إخوة متحـابِيـن … فمِن أين تأتي المحبـةُ أيُّهـا الأبُ و قد مزقـتَ أستارَهـا ؟!
• و ما أدركَ حقيـقةَ نُصـرة المصطفـى و محبّتـه شـابٌّ انحـلّ لسانُـه بالفُحش و البـذاءة ، فانحـلـتْ أخـلاقُـه بالميـوعـة و السفاهـة ، و ثيـابُـه تكشُّفاً و تجسيـماً لعورتـه ، و مظـهرُه تقليـداً أعمـى لأعـداء الله و رسـولـه … و انشغلـت ذاكرتُـه بالخيالات و الخلاعـة .
• و ما أحبّتِ النبيَّ الكريمَ فتـاةٌ تخلّـتِ عن الحيـاء و ثيـابِ الحشمـةِ و حجـابِ العفّـة ، و خرجـت إلى الدنيـا من غير ضوابطَ أخلاقيـةٍ و سلوكيـةٍ واضعـةً صـوراً شخصيـةً لهـا على حساباتهـا و معرّفاتهـا في قنوات التواصل الاجتمـاعيّ الافتراضي و هي بكامل تبرُّجهـا و زينتهـا ثـم تقـول “إلّا رسـول الله” !!، فمحبّتُـه – صلّى الله عليه و سلم – تتمثـلُ في قـولِ اللهِ لهـنّ { وَ قَـرْنَ في بيـوتِـكُـنَّ و لا تبـرجْـنَّ تبـرُّجَ الجاهليـةِ الأولـى و أقمـنَ الصلاةَ و آتيـنَ الزكـاةَ و أطـعْنَ اللهَ و رسـولَـه } [ الأحزاب : 33 ] و في الآيةِ ملمَحٌ سلوكيٌّ تربويٌّ دقيق حيثُ قرأ الكوفيُّـون { و قِـرْنَ } بكسر القاف و قالوا بأنّ معنـاهـا “كـنَّ أهـلَ وَقـارٍ و سكينـة” ، و التبرُّج هنـا بمعنى التبختُـر و التكسُّر في المشي مع الغنـج … فطـاعةُ اللهِ و رسـولِـه لكُـنَّ -أيتهـا الفتيـات و النسـاء- تتمـثَّلُ في اجتنـابِ ما حذّر منـه -سبحانه- في هذه الآيـة الكريمـة .
• و ما نصـرَ النبيّ بل لقد هتكَ أستارَ المحبّةِ مَـنْ نشـرَ الفسـادَ في الأرضِ فشرَّعَ الزنـا ، و أحـلَّ الربـا و قونـنَ بيـعَ الخمـور و تجارتَهـا ، و مكّـنَ الظالـمَ و شقَّ على النـاس فهـو مفسِـد عـاقٌّ لله و رسـولـه و إنْ صرَّحَ بخـلافِ ذلـك و انفعـل (( اللهـم مَن وَلِـيَ من أمـرِ أمتي شيئاً فشقَّ عليهم فاشقُـقْ عليه ، و مَن وَلِـيَ من أمر أمتي شيئاً فرفـقَ بهـم فـارفُـقْ به )) [أخرجـه مسلم]
• بل لقد خان اللهَ و رسولَه مَنْ ولّى مسؤولاً لمنصب أو وظيفة و هناك مَن هو أقدرُ منه و أكثر كفايةً علميّةً و خُلُقيّةً و نفسيّةً (( مَـنِ استعملَ رجـلاً على عصـابـةٍ -أي جعله مسؤولاً على جماعة- و فيهم مَن هـو أرضى منه فقد خـان اللهَ و رسولَه و المؤمنين )) [أخرجه الحاكم]

• و أخيـراً فمـا عرفَ حقيقـةَ محبّةِ المصطفى -صلّى اللهُ عليه و سلّم- مَـنْ ضيَّـعَ الأمـانـةَ من علمـاءَ ساروا في ركابِ الظالمين لاوينَ استقامةَ النصوصِ الشرعيّةِ خدمـةً لأهـواء المجرمين ، و معلمين لم يرتقوا بنيّـاتهـم و أدائهـم و أخلاقهم لسمـو رسـالـة التعليـم ، و أطباء و مهنـدسين و تجـار و مِهنيّيـن تجـرَّدوا عن أمانتهـم فلم يراقبوا الله في أعمـالهـم (( لا إيمـانَ لمَـن لا أمـانـةَ له ، و لا ديـنَ لِمَـن لا عهـدَ لـه )) [أخرجه أحمـد و البزّار و أبو يعلى]

🔶 و ختـامـاً فلْـنجـعـلْ نيّاتنـا معقـودةً موجّهـةً نحـو امتـلاك إرادة التغييـر و السعـي في سبيلهـا و التمـاسِ منـابعِهـا بإعلاءِ قدرِ العلماء العاملين و المعلِّمين المربّين و أصحابِ الفكرِ المصلِحين عسـانـا نحي روح العمـل و الإنجـاز في جسـد هـذه الأمّـة الفتيَّـة ، فالخيـرُ فيهـا أصيـلٌ كثيـر يحتاجُ لمن ينعشُه بنفَسِ صدقٍ طيّب لِـنصـلَ إلى ريـادة الإنسانية بحـضارة إسلامنـا الذي ارتضـاه لنـا اللهُ ربّنـا و بلّغنـا إيـاه نبيُّنـا و ثبتَ على طريقـه أسلافُنـا فعـزُّوا و سـادوا … فمحبّـةُ المصطفى حقيقـةً إنمـا تكونُ بنصرته نصرةَ عملَ و تطبيق ، و تبـدأ من أنفسنا و بيوتنا و مجتمعِنا ؛ فلو أقمنـا اللهَ و رسولَه في بيوتنـا و حياتنـا و سلوكنـا لَـهـابنـا أعـدؤنـا و ما تجـرّؤوا على ديننـا و خالقنـا و نبيّنـا { و للهِ العـزةُ و لرسـولِـه و للمـؤمنين }[المنافقون:8] بل و مددنـا جسورَ التواصلِ مع شعوب العالِم ، لأنّ النّاس جُبلتْ على احترامِ من يحترمُ مبدأه و قضيتَه و عقيدتَه -و إنِ اختلفتْ معه و ظاهرَتْه العداءَ- هذا في العموم ؛ فكيف إذا كانتِ قضيتنا هي حضارةُ الإسلامِ الراقي ضمان خيرِ الإنسانيّة بأسرها ، و أعتقدُ بأنَّ إرهاصات التغيير قادمة لنرى الإسلامَ و المسلمين متماسكين تماسكَ محبةٍ و عزةٍ و تطبيقٍ في مجتمعاتنا.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط