صناعة القيم كمهمّة مجتمعية

أنس جمعة حشيشو

203

مناظيرنا للقيم متباينة والتّعاطي معها مختلف لكنّ الثابت أنّ تمثلها (بطريقة ما أو بأخرى) قاسمٌ مشتركٌ بيننا فلا معلمُ التّربية الإسلامية مندوبٌ عنها ولا التّغني بها مهمة البعض دون البقية!

القيم منظومةٌ متكاملة تشكّل بوصلة كلّ واحدٍ فينا لتعينه على اختياراته في الحياة المهنية والاجتماعية وتشكّل عنده معاييرٌ للحكم على الأشياء بالحسن أو القبح والمواقف بالقبول أو الرد

فكلّ واحدٍ منّا يبني حياته ويرتبها وفق منظومته القيمية الخاصّة بشكلٍ أو بآخر بطريقة يشعر بها أو بطريقة عفوية دون جهد مباشر

التحدي الحقيقي فيما يخضّ المنظومة القيمية الخاصة والعامة يكمن في العمل على بنائها بطريقة منهجية وسليمة تعين الفرد أو المجتمع على الوصول لمبتغاه وتجعل طريقه واضحاً وأهدافه جليّة المعالم.

هنا تستوقفنا مغالطات من البعض تكمن في الآتي:

1_ من يجعل التغنّي بالقيم كافياً، ويسقط الواجب عن صاحبه ويعفيه من تحويلها لسلوك إجرائي أو تمثّل لها.

2_ ومن يتعذر دائماً بأنّ هذا المجال مسؤولية المصلحين فقط من خطباء ومعلمين (إن لم نخصص أيضاً مشيرين لطلاب العلم الشرعي)

وهنا لابدّ من نقطة فارقة تجعلنا مضطرين لضبط البوصلة وتبيان الخلل في الفهم والتطبيق، فبناء القيم كسلوك حقيقي في المجتمع هو مسؤولية الجميع بكافة المجالات التي يعملون بها، ولا يمكن أن تخلو مهنة أو تخصص إلّا وله منظومته القيمية الخاصة به. مع اختلاف الأولويات بين مجال وآخر وظهورٍ لبعض القيم جليّةً واضحةً أكثر من غيرها تبعاً للأهمية وجوهر العمل، وهذا شيء طبيعي، فعلى سبيل المثال لا الحصر:

يتجلى رأس مال التّاجر بالصدق والأمانة وهي سرّ نجاحه

ولا يعتبر القضاء نزيهاً إن خلّت فضاءاته من قيمة العدل

ومعلمنا يقوم بدوره على أكمل وجه عندما يترجم قيم الرسالية والمسؤولية في برنامجه التعليمي

وتتجه المؤسسات لتبرز قيم الشفافية والإنتاجية

كما أن المهن والحرف تتميز بإبراز قيم الجودة والإتقان …

هذه الأمثلة تشير إلى أنّ الحاجة لهذه القيم في حياتنا كحاجتنا لدليل يرشدنا إلى الطريق الأفضل ويحدد لنا آليات اختيار الحكم الأمثل.

عندما نؤمن بأهمية هذه المفاهيم ونتبحّر في ميادينها ندرك تماماً أهمية نقلها من خطاب الترف الفكري إلى الوجوب العملي في كل المجالات كأداة بناء وتحصين وإصلاح رئيسية في حياتنا وحياة أبناءنا لتكون شخصيتهم أكثر توازناً واندماجاً وفاعلية داخل مجتمعاتهم.

في الختام…

لا يُكتفى بأحاديث تطرب الآذان عن تلك المفاهيم العظيمة
فلابد من بنائها وتفعيلها كرحلة قيمية تسير وفق محددات وإجراءات واضحة نحدد من خلالها أولويات حياتنا ونعتز بهذا التمثّل ونترجمه لممارسات عملية تحكي ذاك الانتماء بأسلوب إجرائي يشارك المجتمع بكل مكوناته في بنائها وصناعتها وتحويلها لسلوك جماهيري حقيقي يبدأ من المحاضن التربوية ويحكمها في ذات الوقت.
لنجعل مع الزمن هذه المنظومة القيمية أداة التحصين والحماية الأقوى للحفاظ على هويتنا ومجتمعنا من أي موجة تغريب تعصف به، أو أي عولمة تريد العبث بأصالته وثقافته.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط