فإذا دخلتم عليهم الباب فإنكم غالبون

أحمد وديع العبسي

363

قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

لا تبدو هذه الآية خطاباً مقيداً بسياق قصة بني إسرائيل مع فتح المدينة المقدسة، ولا بسياق القتال في سبيل الله، وإنما تتسع الدلالة من خلالها لتشمل كل سياق فيه جهاد في سبيل الله، وعمل في سبيل الله وحياة في سبيل الله.

إن عدونا الأساسي في الحياة هو الضعف، الخوف، التشتت، والأهم من ذلك كله التأجيل والتردد، والذي قد يكون بسبب الخوف كحال بني إسرائيل، أو قد يكون بسبب التشتت وعدم معرفة الوجهة (ربما كحالنا اليوم)، والقضاء على كل ذلك يكون بالمضي قدماً والتجريب والسعي والإقدام والدأب والجهاد في كل مجالات الحياة وعدم الركون للتكاسل والتردد والتأجيل، لأننا موعودون يقيناً بالنصر، بمجرد أن امتلكنا القوة للخطوة الأولى، فإذا دخلتم عليهم الباب فإنكم غالبون.

(عليهم) لا تبدو متعلقة بناس، أو بجنود، أو بحصن، وإنما هي واسعة تتضمن كل تلك المعاني وما تشتمل عليها، الناس عموماً، التحديات، محطات الحياة، المثبطون، المرجفون، العادات السيئة، الخيبات، كل طريق، وكل شيء، لا يبدأ المؤمن به، إلا ويغلب، لأنه مؤمن ولأنه متوكل على الله، ولأنه موقن ولأنه دؤوب، لا يوقفه شيء عندما يجعل كل أهدافه وحياته في سبيل الله، فهو ماضٍ بها إلى النهاية.

وسياق الآيات قبل هذه الآية وبعدها بما حملته من معانٍ ومدلولات يأتي ليخدم هذا التصور الواسع الذي يمنح المؤمن يقيناً بالانتصار وبالرضا وبالقدرة وبالثقة، ففي البداية يذكرنا النبي بالقدرات التي أنعم الله بها علينا، والتي تمكننا من إنجاز ما أوكل لنا بيسر وسهولة إذا وجهناها تلقاء ما يرضي الله (اذكروا نعمة الله عليكم … وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين) فداخل كل منّا خصوصية وقدرة لم يؤتها أحد تتعلق بمهمته ورسالته وواجبه وفتحه الذي أراده الله له، ونصره وغلبته، ولا يكلّف الله نفساً إلا وسعها …

ثم ماذا؟ ثم يقين بالنصر … يقين كامل بالظفر .. يقين بالوعد الإلهي بأن الأرض لله سيورثها عباده، وهذا لا رجعة فيه، يقين بأنك ستتجاوز كل محنة وتحدٍ ما دمتَ متعلقاً بالله وتعمل وتجاهد وتدأب … (التي كتب الله لكم) النجاح مكتوب لك بانتظار أن تقتطفه فحسب، أن تدخل الباب لتكون غالباً، ظافراً، منتصراً … بشرط ألا تجبن ولا تتردد ولا تتوقف .. وتستمر …

ثمّ تأتيك نفسك المثبطة، والدنيا وشهواتها وراحتها ومن حولك ليقولوا: إنّ المهمة شاقة والطريق عسير، والأفضل أن تركن إلى اليسير في هذه الظروف الصعبة وتنتظر الفرج الذي لا تقدر أنت على صناعته، فإن استمعت لهذا التثبيط يكون مصيرك التيه والتشتت وعدم معرفة الوجهة، والضعف والخوف وعدم القدرة على الانطلاق حتى تهلك.

ولكن يأتي نداء الله على لسان رجلين (يخافان) ليسا جبارين، لا يمتلكان قدرات خاصة، أو ميزات ليست عند غيرهما، هما من عموم الناس، (نكرات) إن جاز التعبير، ولكن خوفهما من الله أشد من خوفهما من كل التحديات، مسكونان بأداء الرسالة، أنعم الله عليهما باليقين وبفهم أن النصر من عند الله، ليقول الله على لسانهما هذه البشرى العظيمة، ابدؤوا فقط، خذوا الخطوة الأولى، لا تترددوا، ادخلوا الباب لتنتصروا وتنجحوا وتكونوا غالبين، عليكم صدق السعي وعلى الله الاتكال إن كنتم مؤمنين.

رجلان فقط على أقل تقدير، تحتاج إلى صاحب في الطريق لكي يؤنسك، وتشعر معه أنك على الحق، لا يكفي أن تكون لوحدك وتخوض الغمار، لكيلا تُفتن بالعناد والغرور، تحتاج من تراجع معه الخطوات، تضع الأهداف وتؤسس لانتصاراتك، وطريق الجهاد إلى الله لا يصح بدون صحبة، أقلّه رجلان، وأقصاه كل من استطعت شدّ يديه على الهداية والسعي والدأب، لتتواصوا بالحق، وتتواصوا بالصبر، فهذا الطريق يحتاج مجاهدة، ورحمة، وتعاضد، فالنصر المرسوم من الخطوة الأولى لابدّ من الاستمرار على طريقه لحفظه للأجيال …

وإلا …

فستجبن أمام التحديات، وستنتظر الفرج بخنوع وذل، وسينتصر هذا الدين من دونك، وستكون من المستبدلين حياً أو ميتاً، وسيفرق بينك وبين أهل الحق فلا تجد حولك إلا من هم على شاكلتك، وسيبتعد عنك كل صاحب صادق لكي يحمي نفسه من تثبيطك واستسلامك ولا يُصاب بداء الجبن والضعف والركون إلى الأرض، والتثاقل عن أمر الله ورسالته، (فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين)

وينتهي بك الحال لتكون من الذين قال الله فيهم (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث …).

ستكون في لهاث حول الدنيا ومتعها الزائلة، في ضياع وتيه، في ركض نحو اللاهدف واللاقيمة، حتى يُقضى عليك بالخروج عن طريق الهداية، فالفسوق كما جاء في اللغة هو الخروج عن طريق الحق إلى غيره، (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ)

الأعباء ليست عدواً ولا تمثل إرهاقاً لنا اليوم، العدو هو ما يؤخرنا عن الخطوة الأولى، العدو هو ما يمنعنا من دخول الباب، العدو هو التثاقل، والتشتت، والخوف، وعدم معرفة الوجهة الصحيحة، هذا ما علينا تجاوزه، ثمّ … فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط