في عشق ما يسمى حرية

معالم عبد الرزاق

52

هو ذاك الذي لا يمكن التحدث عنه لأنك ما إن بدأت لن تعرف كيف تتوقف …
هو ذاك الإحساس الرهيب ولغرابته تكاد تجزم بأنه غير حقيقي …
ليس لأن ما بين يديك لا هو بالماء حتى لو كان بصفاءه للماء أقرب ..
ولا هو بالحجر …حتى لو كان بصلابته للحجر أقرب ..
هو خليط كل ما يعجب ..هو أن يرتجف قلبك في كل مرة تذكرها وكأنك تستحضر صورة من تحب كأبهى ما يكون …..
هو أن تمسك على جمر حلمك …أن تحترق أنفاسك وتتطاير شذرا ما بين غابات الأماني ووديان كل ما أحزنك على مر ثلاثة عشر عاما أو يزيد …
…نعم نعم هي رؤى وخيالات أن ترى “الحرية ” المنشودة وأنت معلق ما بين الحياة والموت..
أن تجلس وحيدا على صخرة عاتية أمام أمواج هوجاء ،تمنى النفس بضوء خافت لجزيرة بعيدة مغيب ذات يوم …
أن تخفي ابتسامة وغصة إذ يظهر هذا الضوء ويختفي ..
صوت جريح داخلك يخبرك أن لا تجزع إنها هي وإن تباطئ خطوها أو غيبتها الفيافي ….
…ومع ارتفاع الأمواج الحمراء الغاضبة لما تضمه من دماء وأشلاء من وقفوا قبلي في هذا المكان إلا أنهم رموا بأنفسهم في عباب هذا البحر و لم يستطيعوا الانتظار أكثر
دماء بلون النار والقهر تحيل الكون كتل من لهب وانتقام ….
وهناك في الأعالي ما بين السموات ترى عيونا متوهجة ولكل عين فيها ملحمة ….
نعم اعرف بعضها ..نعم تلك عيون أبو حمزة . فيالبريقها الجبار
ثمانية عشر عاما من عمره اسلمها لباريها شجاعة وكرامة لوطن أراد أن يراه بلا مظالم…
وتلك عيون روان فتاة التل الشامية التي اتعبت سجانيها جراء إصرارها على مساعدة مصابي الطلقات النارية من متظاهري حي صلاح الدين الحلبي فغيبوها قسرا منذ أمد…..
عيون كثيرة تراقب من علي …تضيئ ثم تتوارى ،عيون كل من عرفتهم فمضوا عن هذه الأرض إما قتلا أو تغيبا أو سحقا تحت أقدام الخوف والهروب والتشرد
ومن بينها أيضا أرى عيون باهته ارهقها الخذلان واليتم…
وحيدة ظننت نفس على الشاطئ اترقب الآتي بتطلعات ثقيلة بالكاد أحملها في جيوب معطفي، صورا ملونة لحيوات بأكملها
صديقات وجيران وأحبة…
صورا لأمي وأبي…
صورا لأطفال أبرياء تخونني ذاكرتي فلا أكاد أميزهم هل هم أطفالي أم أطفال كل أصحاب تلك العيون متوسدة السموات…
صور لحي صلاح الدين ويظهر من خلالها ملعب الحمدانية وحوله الناس مكتظة هاربة من حر آب صيف 1999
وصورة أخرى لشارع سيف الدول بسوقه الممتد ليلة عيد الفطر 2003
وصور لأسوق المدينة.. سوق الشام ، الصقطية، العطارين، الشام ، تفضلي ..
صورة لدوار السبع بحرات مع مفرق سوق الزهراوي والعديد من السيدات يحملن أكياس كبيرة اقدر بأنها تجهيزات عروس عصر 2010
وصور لكنسية الشيباني- ساحة الجديدة- محل الفوال أبو صبحي – دوار جسر الحج – الشارع العريض في قصر الضيافة
الاعظمية ما قبل آذان المغرب – رمضان 2011
وأمنع نفسي من البكاء قسرا لحظة غياب اسم إحدى الصور عن ذهني …
خيط لا مرئي يشدني بكل قوة إلى حيث كنت ذات عمر منذ أكثر من ثلاثة عشر عام ..يقيدني ويقيد الآتي مما تبقى لي على هذه الأرض بعيدة عن حلب ..
معان غزيرة …عصية على أن تمسك بها مفردة أو أكثر ..
فما أن تتلفظ بحروفها ح ر ي ة
حتى يتمدد جناحيك باتساع لا متناهي يطوفان بك أصقاع العالم فلا حدود ولا رقابة تمنعك من أن تمارس إنسانيتك
…تقول ح ر ي ة فتدرك أن لديك من القوة ما أن تمسك بالأبواب المغلقة حتى تفتح على مصراعيها ليخرج من خلفها كل أسير ومعتقل
كل من قال ” لا إله إلا الله ” ودفع ثمنها عمرا بأكمله.
كل من نادى ذات عشية إلى هنا تنتهى رحلة الفقر والشقاء فوارته الثرى رصاصة قناص تستهدف كل ما هو جميل
كل الباحثين ما بين الأنقاض على بقايا هدايا ودُمى
ومن معانيها من لا تحده المفردات بل تصوره التجليات..كأن ترسم الغد الأجمل لطفل وطفلة وتعلمهما كيف يحولان رسوماتك إلى لوحات تنبض بالحياة والحب ..
ومن التجليات أن تبنى مقامات ومزارات لكل من أهرقت أحلامهم من أجل كينونة من بقي وراءهم من أهل وناس
…نوارس أجفلني صوتها حين غفوة على ذاك الشاطئ الحلم …
مشلولة يداي كانتا فلم استطع التلويح ..ولم اسمع سوى دقات قلبي تصرخ ها أنا ذا ثابت في مكاني..
أنا وكل العشاق أمثالي..
…ومن خلفي دخان كثيف يغطي مدن هذا العالم البائس فلا أكترث له ولا أبالي سوى بأن أراها متجسدة أمامي …
مسالم بقيت وفي داخلي نشبت حروب لا تعرف الهوادة..أقاتل حتى طواحين الساعة
صامد بقيت ألوح من بعيد للقوارب القادمة عسى أن تصل يوما تلك التي يسمونها ” حرية ” واسميها أنا ” روحي “

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط