“كلنا رح نموت بالأخير” جملة قالها طفل سوري!

تهاني عنبر

Optimised by Bayyraq.com
0 222

 

 

 

عبارة تخرج منها قصة، وكل قصة لها حكايتها الطويلة بمجتمعنا السوري، الجميع أمسى يحكي عن سورية.. عن الموت والتهجير والألم والخوف والضياع الذي يعيشه الأطفال والمراهقون وحتى الكبار، باتت سورية قصة لكل شخص يريد أن يفتح حديثًا، صارت سورية سيرة لكل شخص مهتم بالأمور السياسية، لكل شخص مهتم بالإنسان، الكل يفكر بسورية ويتناولها بشيء دنيوي ملموس.. جملة أوقفت تفكيري كثيرًا وجعلتني أعيده مئات المرات، جملة تحمل معها كل أنواع التفكير المنطقي، جملة اختصرت حياة الأشخاص الموجودين في (سورية الثورة) ذات البقع الساخنة، اختصرت كل حياة الشعوب الأخرى، وهي جملة قالها طفل من أطفال سورية، طفل يقطن أخطر مناطق العالم، طفل لم يتجاوز السنوات العشر، قال لي بصوت قوي مع بسمة وجه متعب وحرقة في قلبه كأن طفولة ماتت: “عادي كلنا رح نموت بالأخير!”

ماذا تعني “كلنا رح نموت بالأخير” ماذا تقصد بهذه الكلمة؟ ما معنى جملتك يا أحمد؟ لماذا تقول مثل هذا الكلام؟ ولماذا هذه الجملة تحديداً؟

طفل سوري في العقد الأول من عمره فقد منزله.. والده.. دميته الجميلة، ومع ذلك يخبرنا بكلمة: “لا تحزن كلنا رح نموت بالأخير!!”

يتابع الطفل (أحمد) سيره ليشتري قطعة حلوى لنفسه بعدما قضى أسبوعًا كاملاً يجمع ثمنها الزهيد، اشتراها ليروي بها ظمأ طفولته البريئة ويأكلها ويتابع مشوار حياته.

أي إصرار وعزيمة تملك يا أحمد! وببسمة طفل سوري أخذت منه الحرب ما أخذته من سنين عمره الطفولية يتابع حياته، ليقول لي ببراءته وبساطته: “لقد مات بابا، كل الحياة الصعبة انتهت بالنسبة إليه، ونحن أيضًا سنموت، سينتهي هذا الشقاء، وسألتقي بأبي في الجنة”

لن أختلف على أن الثورة أنتجت العديد من الأشياء الإيجابية، أنتجت جيلاً قوي التفكير وكثير النشاط، لكن بالنهاية هي أخذت منه الطفولة قبل أن تعطيه الإيجابيات التي نتحدث عنها لننسى قسوة ما أُخذ منّا ومنهم،.. الطفولة البريئة التي يجب أن تكون موجودة كأساس لكل طفل من أجل أن يحيا كما يليق بهذه الحياة.

ليس من عادتي أن أنظر إلى نصف الكأس الفارغ، لكن هذا النصف فارغ حقًا، وهو يجعل حياتنا مليئة بالنقص والحرمان والكآبة والحزن، لن تستقيم الحياة لدى الكبار عندما يخسر الأطفال سعادتهم، لن يستطيعوا أن يضحكوا غدًا ويعيشوا حياة سوية إذا لم نمنحهم اليوم ضحكة وسعادة حقيقية، هذه السنوات سيكون لها الأثر الكبير في مستقبلنا جميعًا، وستعيد رسم طبيعة الحياة الاجتماعية والمجتمع وعلاقاته من جديد.

لا يمكنني اختصار هذه المعاني التي حاول طفل أن يقولها ببضع كلمات مكتوبة ومرصوفة بجانب بعضها البعض، القصة أطول من تروى ببساطة، إنها تمتد بعيدًا آلاف الكيلومترات حيث تمتد جغرافيا هذه البلاد وعلى مدار عشر سنوات من الألم حتى هذا اليوم.

” هي الحرب يا سادة نأكل من أوزارها شعورًا وصدمة وحياة …. ”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط