كيف تعرف عيوب نفسك؟

علي سندة

0 54

لصق في ذهني مذ كنت صغيرًا مثل شعبي: “الجمل ما بشوف حدبته” وكان الموقف الذي يرد فيه ذلك المثل في معرض تأنيب شخص كان يلوم شخصًا آخر بخُلُق ذميم، إلا أن اللائم يفعل الخُلُق الذميم نفسه، فأطلقوا عليه قولهم: “الجمل ما بشوف حدبته” كناية عن استحالة رؤية الشخص لعيوب نفسه ورؤيتها في الآخرين.

لمتابعة كل جديد اشترك في قناة صحيفة حبر على تلغرام اضغط هنا

وثمة حديث نبوي أورده ابن حبان في صحيحه أسبق من ذلك المثل الشعبي، ينبه على الظاهرة السابقة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “يُبصِرُ أحدُكُم القَذاةَ في عينِ أخيهِ، وينسى الجِذْعَ في عينه مُعتَرِضًا”

والشخص الذي يستطيع إبصار القذاة في عين أخيه، أي ما يقع في العين من تبِنة أو وسخ صغير، ينسى ما بعينه من جِذْع، أي جِذْعُ النخلة، والمعنى أنه يستطيع رؤية عيب أخيه الصغير ولا يستطيع رؤية عيبه الأكبر، وهذا الأمر مرض يعيشه الكثيرون سواء علموا أم لم يعلموا أنهم مصابون به، والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف يعرف الإنسان عيوب نفسه؟

اقرأ أيضاً:  وفاة أربعة سوريين على حدود لبنان بشكل صادم

قال ابن حزم: “العاقل: هو من ميَّز عيوبَ نفسه فغالَبَها، وسعى في قمعِها، والأحمقُ: هو الذي يَجهل عيوبَ نفسه، إمَّا لقلةِ عِلمه وتَمييزه، وضعفِ فِكرته، وإمَّا لأنَّه يُقَدِّرُ أن عيوبه خِصالٌ، وهذا أشدُّ عيبِ في الأرض.”

إن عيوب النفس كثيرة وهي في حقيقتها أمراض بحاجة دواء، تمامًا مثل أي مرض فيروسي يصاب به الإنسان، وأقصر الطرق في العلاج الذهاب إلى طيب، وطيب أمراض النفوس شيخ مؤدِّب بصير بأمراض النفوس يستطيع التشخيص ووصف الدواء المناسب بحسب وعي الشخص وتفهمه وشدة مرضه.

وإن لم يجد المرء شيخًا مؤدبًا، فليطبق مقولة: “رحم الله من أهدى إليَّ عيوبي” إذ عليه بصحبة صديق ملتزم يوجهه إلى تغيير ما استُقبح من الأفعال ليبدلها بأخرى حسنة، وقديمًا قالوا: “النصيحة بجمل.”

وربما ثمة طريقة أخرى في نظر الإنسان إلى عيوبه وهي معرفتها من خلال خصومه، ولعل عدوًا مُفصِحًا عن العيوب خير من صديق صدوق يظهر المحاسن ويضمر ما يراه من العيوب مداهنةً لصديقه.

وإن تعذَّر كل ذلك في استكشاف عيوب النفس، فالحياة مدرسة كما قيل، فالذي همه تهذيب نفسه وتقويم أفعاله منطلقًا من فطرته السليمة، فلينظر إلى أفعال الآخرين ويقيسها على نفسه، فما استحسنه منهم أخذ به وعززه لدى نفسه، وما استقبحه منهم ساءل نفسه: هل تقوم به؟ فإن كانت الإجابة نعم، انتهى عن ذلك الفعل وأقام مكانه الفعل الحسن، ويكفي المرء ذلك القياس، إذ إن طبائع الناس متقاربة في أفعالها.

إنَّ تزكية النفس يقابلها الفلاح، لقوله تعالى: “قد أفلح من زكاها” وإنَّ دسَّها، أي إضلالها وإغواءها وإثمها وكذبها وسلخها عن فطرتها، يقابلها الخيبة والخسران لقوله تعالى: “وقد خاب من دسَّاها”.

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط