كيف يزحف النظام العالمي للسيطرة على حياتنا؟ (1)

المدير العام | أحمد وديع العبسي  

0 77

 

مع التطور الكبير للآلة يتقلص دور الإنسان المحوري في الأنظمة، ويزيد الاعتماد على النخبة في كل مجال، مقابل تحول مليارات البشر إلى جزء من المحرك العالمي الكبير الذي يقوم بتحريك العالم وفق نظام دقيق، يُعبِّر عن مدى التطور والحضارة التي وصل إليها الإنسان، حيث لا أخطاء كثيرة، ولا أشخاص مفصلين كُثر من الممكن أن تتعطل حركة العمل بفقدانهم.

إن الحضارة اليوم أو الاتقان في عمل المؤسسات والمنظمات والشركات تُقاس بمدى قدرتها على برمجة نظام متقَن للعمل يكون فيه الاستغناء عن الأشخاص سهلاً جدًا، حيث إن القيمة العليا للمؤسسة وليست للأفراد، كما أن الخبرة موجودة داخل المؤسسة ومُفسَّرة ومشروحة بوضوح وبمعايير بالغة الدقة لا تحتاج كثيرًا من أجل تعلمها من أي شخص تتطابق مواصفاته الأساسية مع مواصفات هذا المركز الوظيفي أو ذاك.

يبدو هذا الكلام جميلاً جدًا، وكما قال لي أحدهم: “إنّ عكسه يعني علمًا أقل، يعني مشكلات أكثر، ويعني عدم التطور.” لكن ما القيمة التي تبقى للإنسان وإمكانية تطوره في هذا النظام؟

كل يوم نكتشف أن المهارات التي صار يحتاجها البشر للالتحاق بوظائف صارت أقل بكثير من قبل، خاصة كلما كانت الدولة متطورة أكثر، قد تكوِّن مهارات عظيمة، لكنها كما يقال دائمًا: (متخصصة).

تدخل مؤسسة اليوم فترى أن كل موظف لديه مهمة واضحة وصغيرة، لكنها كثيفة يعمل عليها طول النهار، وبدلاً من اتقان مهارتين ليقوم الموظف بعمل أكبر، يتقن مهارة واحدة فقط، ويقوم موظف آخرة بمهارة أخرى، ليبدأ الضمور في كثير من وظائفنا العقلية مع التطور الكبير للآلة، ومع محدودية أدوارنا التي نقوم بها، وبالتالي ينعكس ذلك على قدرتنا على التحرك بحرية داخل هذا النظام المنضبط بشدة، وعلى محاولة التحرر منه.

اقرأ أيضاً: متغيرات السياسة على الإيقاع الأمريكي في الشرق الأوسط

منذ عشر سنوات كنت أتمتع بقدرات عقلية أفضل بكثير من اليوم في حفظ الأرقام والشعر وحتى تحليل البيانات البسيطة، أما اليوم فالكمبيوتر يقوم بمجمل ما كنت أقوم به، فأجدني عاجزًا حتى عن التفكير بجدوى أن أحفظ شيئًا، ومحركات البحث صارت تغنيني عن الكثير ممَّا يمكن أن أستحضره من الذاكرة التي صارت خاملة تقريبًا، ومهمتها فقط أن ترسل إليَّ بعض الإشارات والكلمات، ليتولى غوغل بقية عملها.

الانعكاسات الأكبر تبدو بوضوح في الجوانب الاجتماعية، حيث إن العلاقات الكبيرة مع الآلة جعلت العلاقات الاجتماعية أكثر صعوبة وتعقيدًا، وأصبحنا أقل قدرة على فهم بعضنا البعض، وأقل قدرة على التواصل الاجتماعي أو الاهتمام بهذا النوع من العلاقات، أصبح لكل إنسان دوره، والعالم يتحرك بسرعة لا تسمح لنا بأكثر من إلقاء التحية، والمشكلة التي نراها اليوم فضيلة أن الكل يعذر الكل، لا عتاب ولا حزن من هذه الحالة ولا حتى قطيعة، فالجميع يدورون حول النظام نفسه وبتسارع مشابه، وحدهم أولئك المتخلفون! (كما نسميهم) الذين لديهم الكثير من الوقت ولا شيء يفعلونه، الذين لم يستطيعوا الالتحاق بركب الحضارة، ولا يزالون يمارسون الأعمال التي يكون دور الإنسان محوريًا فيها على قلتها، هؤلاء فقط يتذمرون منّا ويشعرون أننا نتقصد الانشغال، لأننا سئمنا من هذا النوع من العلاقات، هؤلاء فقط هم المحقون إلى درجة كبيرة، وهم نفسهم الذين نلجأ إليهم إذا ما وصلنا مراحل متقدمة من الإرهاق النفسي لكي نستطيع مواساة أنفسنا.

 

يتبع …

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط