كيف يزحف النظام العالمي للسيطرة على حياتنا؟ (2)

أحمد وديع العبسي

0 39

قد لا نستغرب بعد المقالة الأولى عبارة (سيستم يوك) التي أصبحنا نتندر بها على الأتراك، إلا أنَّ بعض الموظفين يكونون أكثر مرونة من غيرهم مع السيستم، إن ذلك تقريباً هو فارق السيطرة والانخراط بهذا النظام الذي لا يعرف فيه الموظف سوى بعض الحركات التي كُلَّف بها في وظيفته، مع خشيته من أي حركات أخرى قد تُخرّب النظام ويكون مسؤولاً عنها، فيكتفي بالقول (النظام مُعطَّل)!، أو قد يحيلك لبدء الإجراءات من أولها…!

اقرأ أيضاً: كيف يزحف النظام العالمي للسيطرة على حياتنا؟ (1)

السوريون في سورية وتركيا، لا يزالون بعيدين بعض الشيء عن سطوة هذا السيستم، رغم دخولنا في متاهته قليلاً، لكنَّ جيلنا ربما يكون الأخير، فنحن فقط الذين لا يزالون يحملون ذاكرة الأشياء البسيطة، ويعرفون أن الحياة أعظم من أن تختزل داخل نظام يفرض على كل إنسان تحركاته بدقة، لكن الأجيال القادمة التي وُلِدت وتنشأ اليوم في أوروبا وحتى في سورية وجوارها لن تكون قادرة غالباً على التحرك بنفس الحرية والحيوية السابقة إذا لم نستطع التغلب اليوم على تلك المتاهة.

فالمنظمات الدولية تملأ مفاصل الحياة من حولنا، وتعطي الأجور الكبيرة مقابل الأعمال الصغيرة التي تمنح صاحبها وَهْمَ الخبرة، والمنظمات المحلية تضطر أن تفعل الشيء نفسه لتستطيع المنافسة في سوق العمل من أجل أن تنجز أعمالها، وكل يوم الخبرات العامة تضعف مقابل الخبرات (التخصصية)، والنظام يركّب نفسه فوقنا بسهولة كبيرة، ونحن نستجيب بدون مقاومة، ذاك أنه مليء بالشهوات والمتعة، والمال، والسهولة، وبالمراكز الاجتماعية البراقة، وبوهْم التفوق والخبرة.

ربما لا يبدو ما نقوله منتشرًا بشكل كبير في حاضرنا الذي نعيشه، وهو في داخل سورية أكثر منه في خارجها، بسبب التنافس الكبير في الخارج وتوفر الخبرات، لكنه يزحف باتجاهنا ويسيطر بكل حداثته وتطوره وعولمته على حياتنا، ويرسم لنا حتى عاداتنا الثقافية في المأكل والمشرب وطبيعة العلاقات الاجتماعية على أنها نوع من البروتوكول العالمي الذي يجب أن يكون أحد خبراتنا من أجل التنافس الوظيفي لإيجاد مكان مهم في هذا المحرك الكبير الذي يدور بنا لتحقيق ما تريده النخبة، وبعد أن يتم تدجيننا بشكل حقيقي كالآلات (خبرات قليلة وأعمال كثيفة)، يصبح من السهل الاستغناء عنا بواسطة الآلات والتطور التكنولوجي.

قد تبدو بعض العبارات شبيهة بما يتم تداوله في نظريات المؤامرة، لكن الحقيقة أن العبارات في هذه المسائل هي ذات طبيعة إنشائية غالباً؛ ذلك أنها لا تستطيع تلمّس الأدلة بسهولة، وقد تمّ تلقيننا بشكل جيد أنَّ أي نوع من هذه العبارات هي عبارات فارغة، وغير حقيقية، وتستند إلى نظريات المؤامرة، والوهم، فصدَّقنا الأمر، وتركنا المؤامرة في كثير من الأحيان تسير حولنا وتطحننا دون أي مواجهة، واكتفينا بالفرجة والذهول محاولين إيجاد تفسيرات أخرى تكون أكثر واقعية بالنسبة لعقولنا التي تم تقييدها ضمن مساحات محدودة للغاية.

إننا نسمع كل يوم بوظائف وأعمال سوف تندثر بسبب التطور، وأعمال أخرى تصبح أكثر رواجاً، ولكن الصدفة! أن ما يصبح أكثر أهمية ورواجاً لا يتسع للجميع، طبيعة أعمال التحكم الآلي والبرمجة لا تحتاج أشخاص كُثر، لكنّ هذا لا يعني أن نقف عن التطور من أجل الحفاظ على وجودنا، على العكس تماماً، نحتاج أن نتطور أكثر ولكن باتجاهات متعددة بعيداً عن اتجاه التعليب الذي يركز فقط على جعلك آلة، ومهما كانت المغريات، يجب أن لا نتوقف عن كوننا بشراً، ولا نسمح لهذا النظام بالتمكّن منا لنكون محركات صغيرة حول محوره يتم تبديلها بسهولة، بل لا بدّ أن نكون محاور كثيرة ومختلفة من الصعب إعادة تصنيعها إلا ضمن دورة الحياة الطبيعية.

قد تحتاج هذه القضية تفصيلًا أكبر، فظاهرها أنَّ هذا النظام مريح، وأكثر إنتاجًا، وأقل مخاطراً، ولكن علينا أن ندرك شيئًا مهماً هنا، (أماكن الراحة هي أماكن خطرة جدًا) وتجعل الاستغناء عن أصحابها سهل جدًا، وأن الإنسان وُجِد لكي تدور الأرض في فلكه، لا ليخترع نظامًا يجعل نفسه جزءًا من صغير في محركات أفلاك الآخرين، كقطعة من آلة ضخمة.

المدير العام | أحمد وديع العبسي  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط