لا بديل عن العدالة

أحمد وديع العبسي

1٬645

مرت أيام آذار، وذكريات الثورات فيه، ذكريات السلطة والشعب، البعث والناس، الثامن من آذار مقابل يومين تحتار فيهما المعارضة والثوار …

الثامن عشر من آذار كما يريده أهل حوران وبعض المناطق الأخرى في سورية ذكرى لثورة الشعب السوري، والخامس عشر من آذار كما يرغب فيه آخرون انحيازاً لدمشق والاحتجاج الذي حدث بها في سوق الحريقة.

المهم لا يوجد ما لا نؤثر الاختلاف عليه نحن السوريون، من باب التفاعل والحيوية كحسن نية، ومن باب تعدد وجهات النظر إذا ما أردنا أن نعطي الموضوع صبغة سياسية، ومن باب التشتت والتشرذم وعدم القدرة على الاتفاق إذا كنا سنتحدث عن الحقيقة.

بعيداً عن الثورة وذكرياتها، هل هناك ما يمكن فعله؟! اعتقد نعم، ولكن نحتاج أن نغير العقلية التي نفكر فيها والأدوات التي نستخدمها، والاختلاف الذي نصرّ عليه وندفع ثمنه من دمائنا ومستقبلنا ثم نصفه بالإيجابي! أيُّ إيجابية تلك التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه من التفرق والتفرقة!

لا أعرف كيف يمكن أن يفكر السياسيون السوريون في الجهتين باحتماليات النصر في هذه الظروف، كيف يمكن أن يتوهموا حدوث شيء دون أي مسببات .. كيف وصل بهم العجز درجة اجترار الأمنيات وانتظار الفاجعة أو المعجزة كما يقولون!! وأي معجزة!

المعارضة تحلم بأن تدمر لهم الولايات المتحدة، روسيا وإيران والنظام، واذا سألتهم عن مصالح الولايات المتحدة في ذلك .. لن يستطيعوا إكمال سطرٍ واحد ..

والنظام الأكثر حمقاً .. يظن أنه يستخدم روسيا وإيران للبقاء في السلطة، وهو الذي فقدها فعليا لصالح مليشيات هاتين الدولتين منذ أول يومٍ سمح لهم بالدفاع عن قصره وكرسيه .. ومازال يعتقد أن العالم بإمكانه أعادة تعويمه وهو في وضعه الحالي دون أي تنازلات وتغيير!!

حالة الهبل التي يمرّ بها السوريون مخيفة .. هي أكثر ما سيدمر سورية لصالح القوى الخارجية دون أن يحقق أيُّ فريق أو طرف شيء …

ماذا عنّا نحن …؟؟

هل نسامح القتلة؟ هل نعفو عمّن اغتصب النساء وأذل الرجال وذبح الأطفال … في سبيل السلام والصلح؟! هل ننقذ البلاد لنعيدها للمستبدين ونعود كالعبيد؟!

بالطبع لا .. أنا لا أطلب هذا، ولا أرضى به، ولكنني لا أفهم ماذا يعني العناد والإمعان في الموت وفي تقديم النساء للاغتصاب والأطفال للمذبحة، …

إذا كان كل العالم يلوح بيده لذلك السافل القاتل، وأنت بلا سلاح ولا أي قدرة على المقاومة، فماذا يجب أن تفعل؟؟؟

هل يجب أن تستمر! .. أن تريهم صمودك على أمل تغيير المعادلة .. على أمل أن يشعر بك العالم؟!!!

ماذا لديك من أجل هذا …

أنت في الحقيقة لا تمتلك سوى حتفك.. أن تموت تاركاً وراءك النساء والأطفال ليعقدوا الصلح كالسبايا والعبيد

يقول الروائي البرتغالي خوسيه ساراماغو: إن ما يتحتم علينا أن نفعله هو أن نحتمل لا أن نتنازل

لا يمكن للناس أن يقبلوا فكرة استمرارية الحرب لوقت طويل، وهاهم في كل مكان من البلاد يحاولون إعادة اختراع سبل العيش ومجاراة أسباب الحياة، وفي كل مرة يُقبلون فيها على الحياة بعد المعاناة يصبحون أكثر كراهية للحرب والقتال، وأكثر قبولاً بشروط متواضعة من أجل السلام … علينا أن ندرك ذلك ونعمل من أجل صيغ أفضل من العدالة قبل أن يستسلم الناس أو أن نقع فريسة سهلة للهزيمة.

الحارث سيلاذيتش وزير خارجية البوسنة أيّام حربها كان يقول: لا وجود لعدالة مثالية، ولكن الطموح نحو تحقيق عدالة مقبولة هو ما نسعى إليه، القبول ببعض الظلم من أجل وقف الحرب جيد، علينا إيقاف الحرب من أجل البحث عن العدالة، لا أن تستمر الحرب من أجل صورة من العدالة قد لا تأتي، ودائماً في الحرب وخارجها لا بدّ من التنازلات والتضحيات …

والحروب عادة لا تنتهي بشروط عادلة، لم يحدث هذا من قبل، فإمّا أن يستحوذ المنتصر على كل شيء، حتى لو كان مظلوماً فإن نصره يخوله أن يسترد مظلمته مع شيء من ظلم الآخرين، أو أن يحدث الصلح بشروط مرضية لا عادلة، أو أن تتوقف الحرب بأوامر خارجية تفرض فيها الدول صاحبة الأوامر شروطها ومصالحها التي لا تعرف من العدالة إلا اسمها والشعارات المتعلقة بها، فهي تتاجر بها لكي تستعبد الشعوب والبلاد.

إن الحياة برمتها لا تحتوي على شروط ومعايير عادلة، إنّ تحدّي الحياة هو أن تقفز بين كفتي الميزان في كل مرة، وتحاول أن تصل إلى أرض ثابتة لا تهتز فيك كلما تحرك شيء على الكفة الأخرى، وعندما ترهق من مجابهة العالم ستحاول أن تميل نحو الكفة الأكثر ثباتاً، أو ستكافح من أجل جعل كفة ميزانك هي الأثقل والأكثر رسوخاً وستترك واجبات العدالة للسماء.

في المحصلة لا أحد يهتم بك .. لذلك حاول أن تهتم للحياة .. لمن يجب أن تنقذهم، أفعل شيئاً يغيّر المعادلة .. افعل ما يبقيك حياً لكي تكون قادراً على استرداد الحق يوماً ما .. أو لكي تربي جيلاً يسترد الحقوق ويبلغ الثأر…

أما أن تراهن على الموت بحمق، وعلى الصمود فقط من أجل ألا يقال عنك خائن أو ضعيف، فاعلم أنك اشتريت سمعتك تلك .. بأرواح أهلك وبما تبقى من بلادك، ومتَّ مغرورا بأوهام صمودك وشجاعتك، وما أطعمت خبزاً ولا أنقذت حياً …

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط