لعنة الطين.. الإنسان بين السّلطة والقانون

عفاف جقمور

0 64

عفاف جقمور

 

“كل حرب فيها ضحايا، المهم نكون نحن الأقوى، هاد الكون ما بيعترف إلّا بالقوي”

عبارة صادمة جاءت على لسان (أبو نذير) في مسلسل (لعنة الطين)، وهو مسؤول ذو سلطة نافذة في الدولة، رأس الهرم الذي يدير عمليّة سنّ قوانين صارمة على بلد يحشرج بالعقوبات والسدود المنيعة من أجل ضبط مداخلها ومخارجها في سنوات عجاف عاش أهلها على موارد شحيحة، يستطيع القوي منهم شراء بضائع مهرّبة، لكن عمليات التّهريب تلك يقودها (أبو نذير) نفسه باستخدام رجالاته من المشرّدين الذين لم يجدوا سبيلاً للعمل فقادتهم بطالتهم إليه.

لمتابعة الأخبار السياسية والمنوعة اشترك في قناة صحيفة حبر على تلغرام اضغط هنا

عمليات التهريب تلك تبدأ بالمواد الاستهلاكية التي يطلبها العامة من مأكل ومشرب لتصل إلى السلاح والمخدرات وحشيش والأعضاء أيضًا “كل هاد عم يدخل للبلد؟” يجيبه الضابط: “وعم يطلع منه كمان” دار التساؤل على لسان (جواد العايد) ضابط الجمارك الذي رفض في البداية تمرير صفقة سلاح، لكن طمعه بالسلطة كان أقوى من صوت ضميره، فجمع أموالاً طائلة إلى أن سقط بعد سقوط داعمه (أبو نذير) الذي ساهم بصناعته ثمّ تركه لمصيره وهرب خارج البلاد.

 

كتب المسلسل (سامر رضوان) وأخرجه (أحمد إبراهيم أحمد)، ما يميز العمل أنّه سلط الضوء على تلك المنطقة التي انبثقت عنها (حكومة الخمسة عقود)، وما تزال تحكم البلاد، ذلك الصندوق الأسود الذي لم يتم فتحه ومعالجته فنّيًا بطريقة جدّية، سلطت الضوء على جحر الأسد المتّسخ بالدماء، أثار إعجابي واستغرابي عدم انتشار المسلسل في أوساط كبيرة عام إنتاجه 2010 رغم تناوله لفترة مهمّة الثمانينات، وفي مكان مهمّ لقيادة البلاد (القرى الساحليّة) وخلال وقتٍ كان الأعنف من صرخات الشعب المكتومة التي انفجرت في 2011.

 اقرأ أيضاً: عمران وقلبي اطمأن” تحت مجهر السّياسة

(لعنة الطين) ذلك المزيج من الإرادة والسلطة والقوّة والعقل الحالم والقلب النابض، الحبّ والإلهام والحلم والأمل والضّمير والمبدأ، يسهل تجريد أفكار المسلسل من شخصياتها، الشجاعة المجردة من المنطق في (أبو عادل)، الحلم المنطقيّ (عامر) والحلم المجنون (نيرمين) اللذين لا يلتقيان إلّا على أسطح المنازل وفي الخيالات الذكريات ولا يلتقيان بالواقع أبدًا “حياتك كلّها كذب بكذب” كما جاء على لسان (هدبة) الأخت الصغرى لنيرمين، معظم المشاكل الكبرى كان مصدرها التقاء هذين الحلمين، “انقهري مشان تفيقي” كان هو أسلوب القرية مع ذلك الطارئ الذي عُدَّ مشكلة تركت فيهم كوراث فيما بعد.

 

يطغى على المسلسل صبغة ممزوجة بين القيم المتأكلة التي لا يحميها القانون وبين القانون المستند إلى العنف والقوة، (أبو عامر) العقل المتّكئ على قلب ضعيف يخذله عند كل أزمة في احتشاء أليم، والوغد (أبو بسّام) الذي يستغل قلبه المتعلّق بوصيّة عابرة فيسرق منه أرضه، فيسترجعها ابنه (عامر) بالقوة المستندة على القانون الأخرق نفسه، (أبو عامر) عَلّم ابنه كيف يكون نزيهًا، لكنّه نسي أن يعلمه كيف يكون قويًّا بما يكفي ليحمي الضعفاء، فكان مصير (عامر) السّجن لسنوات كثيرة بسبب امتناعه عن المشاركة في الظلم.

المثقف السلبي (وضّاح) العقل المدعوم بالعمل المجرد من العواطف، المؤمن بالحرية دون سلطة، الفراغ بين السلطة والعقل لديه كان مفقودًا، كان صاحب مبدأ لكنّه مجردٌ من أدواته، مثاليّته المفرطة جعلته يراوح بين النقد والتنحّي لا أكثر.

 

الصراعات العالميّة الكبيرة كانت تدور كالثرثرة بين أبناء القرية، فينزل الصراع بين الشيوعية والرأسمالية إلى الشّارع بصيغة هلاميّة على لسان (أبو العز): “مين أقوى روسيا ولا أميركا؟”، (أبو العزّ) الشخصيّة المدّعية بأساليب بدائية فتقع أخيرًا فريسة أهوائها في معادلات القرية الصغيرة.

 

يُظهر المسلسل (عائلة موفّق) وأخته (بهيّة) القلب المتكئ على الدين ظاهرًا والواقع في منتصف الرذيلة باطنًا بسب الفقر، يجمعها هي و(طلال) الشاب المجرم من صغره نهاية واحدة هي الموت شنقًا، ظلمٌ متساوٍ موزعٌ على الجميع، لا قيمة في الحياة غير القوة، بينما يقع الفقر كبطل المسلسل الاكثر فتكًا في مفاصل الحياة،(طلال) الشاب الذكي الذي تربّى في أحضان المهرّبين، فقره وجهله وعائلته التي رميت على أكتافه صغيرًا رمته في طريقٍ مظلم يقوده متنفّذون داخل الدولة.

استعرض المسلسل تساؤلات بدون أجوبة، كيف قُضي على الحلم بالانتساب إلى الجيش تحت وطأة الحاجة والفقر، وكيف صنعت القوّة من المال والسلطة أبطالاً للمرحلة، وكيف كان الحلم والعقل العناصر الأكثر ضعفًا، والقانون المختبئ بينهما، والخوف الذي يسيطر على المشهد كلّه.

ربّما كانت اللّهجة أحد الأمور التي كان يمكن إتقانها بشكل أكبر، إذ كانت أشبه بترجمة النّص للهجة الشامية البيضاء مستبدلين الكلمات بكلماتٍ أخرى من اللهجة المحليّة في المنطقة “هيكيا، هنّا، التانيّية”.

كان المسلسل حقيقيًّا لدرجة أنّه لم يسرد قصّة نجاح واحدة، إذ إنّ النّجاح يقترن بكثير من الحيثيّات غير المتوفّرة، كنت أتمنى أن أشاهد نظرة أخيرة لأبي عادل بعد خروجه من السّجن وقضاء محكوميّته في القانون الكبير وفقده لقوّته داخل قانون الغابة الكبير، إذ إن مجتمع الأقوياء لم يتطلّب قوة جسدية بل قدرة على الخنوع للقادة.

الوقوف عند هذا المسلسل مجدٍ حقًّا، أشكر خوارزميات الفيسبوك التي ألقت بأحد مقاطعها في المربّع الخاص بي، ما جعلني أبحث عن ذلك الإبداع بعيدًا عن سخرية الفنّ في البيئة نفسها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط