مأساة تهجير حلب

مصطفى اسكندروني

867

قبل ست سنين، تم إفراغ مدينة حلب من أهلها وأحرارها، وجرى تهجيرهم قسرًا خارج مدينتهم، في واحدة من أكبر جرائم التهجير القسري على مر التاريخ، أولئك الأهالي الذين كان كل ذنبهم أنهم اختاروا العيش في مدينتهم رغم ظروف الحرب، واختاروا حريتهم وكرامتهم، ووقفوا في وجه الظلم والقمع والاستبداد.

إن من عاش تلك اللحظات يدرك عمق المأساة، وحجم الخسارة الكبرى، لقد خرج الحلبيون من أرضهم مكرهين بعد أن قدموا أعظم التضحيات، وارتوت أرض المدينة بدمائهم الزكية؛ خرجوا وهم يقولون (راجعين يا حلب) وسيعودون إليها بإذن الله أعزةً منصورين.

لقد صمدت حلب صمودًا تاريخيًّا طويلًا وعظيمًا، وأبلى أهلها أحسن البلاء في الدفاع عنها ضد عدو مجرم لم يتورع عن ارتكاب أبشع الجرائم والمحرمات في سبيل إخضاعهم، وتحملوا في سبيل حريتهم مالم يتحمله أحد، وقاوموا بكل ما أوتوا من قوة رغم الحصار الخانق والقصف اليومي بأقسى صنوف الأسلحة والمحرمة منها على وجه الخصوص، ومع وصولهم إلى النقطة الأخيرة المتبقية من أرضهم تحت سيطرتهم، لم يبق في وُسعهم إلا الخروج، حفاظًا على أرواح من بقي منهم.

لمتابعة كل جديد اشترك في قناة صحيفة حبر على تلغرام اضغط هنا

لقد دمر النظام المجرم مدينة حلب العريقة، دمر أبنيتها ومساجدها وأسواقها، وأخضع العديد من أحيائها لعملية تغيير ديموغرافي غايتها التلاعب بالتركيبة السكانية لتكون على هواه وكما يشاء، ومارس ومازال يمارس بحق أهلها وأهل سوريا جرائم الإفقار والتجويع والحرمان من أبسط مقومات الحياة الإنسانية، إن عملية التهجير التي حدثت في حلب وكثير من مناطق سوريا الحبيبة ستبقى في ذاكرة السوريين وذاكرة العالم لتشهد على بطش الأسد وظلمه بحق أبناء شعبنا، ولتشهد أيضًا على تخاذل العالم وصمته أثناء عمليات القصف والقتل والتهجير.

لقد تخلى العالم عن ضميره ووقف صامتًا يشاهد تلك الأحداث المؤلمة، ودخل النظام إلى المدينة مدعومًا بميليشيات طائفية، ووعود كاذبة بالأمن والاستقرار، والتنمية وإعادة الإعمار، لكن الوضع كان أسوأ، فقد استباح عناصره المدينة على طريقة المغول، وانتشر السلب والنهب وخطف الأطفال والاستيلاء على بيوت المدنيين وترويعهم بهيبة السلاح، في الشوارع والأسواق وحتى البيوت، وحتى أن الإنسان لم يكن ليأمن على نفسه وأطفاله داخل بيته، وشيئًا فشيئًا تدهورت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وأضحت الشهباء خالية من شبابها وتجارها وأصحاب الشهادات والحرف على وجه الخصوص، لم يبق فيها إلا الجوع والخوف.

إن ما نشهده اليوم من معاناة في الداخل السوري المحتل من الأسد وعصاباته المجرمة، وبيع لمقدرات سوريا وثرواتها، هو الدليل على فشل النظام وعجزه، وعدم قدرته على إدارة البلاد والسيطرة عليها، وإن استطاع حينًا إسكات صوت الحق بالحديد والنار، فإن هذا لن يدوم؛ وعلى العالم أن يعرف ويعي أن هذا الوضع لن يستمر، ولابد من مجيء يوم تتم فيه محاسبة المجرم وسوقه إلى المحاكم الدولية.

الصحة العالمية تدق ناقوس الخطر…نفاد لقاح الكوليرا

إن ذاكرة الثورة السورية لا تموت، وإن الشعب لن ينسى من قتله وشرده ودمر مدنه وقراه، وسيعود إلى أرضه ظافرًا منتصرًا، ستعود حلب طاهرةً بلا طغاة بإذن الله، وستنهض سوريا من جديد بهمة أبنائها وعون أشقائها، وهذا الأمل الكبير يتطلب منا التكاتف والسعي والمتابعة في طريق الثورة والنضال، وإيصال قضية الشعب المكلوم إلى المحافل الدولية، وصولًا إلى تحقيق الهدف الأسمى: سوريا الحرة بدون الأسد.

 

 

 

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط