ماذا وراء التقارب التركي مع نظام الأسد، وكيف يمكن أن تتصرف المعارضة السورية؟

أحمد وديع العبسي

420

منذ آب أغسطس الماضي، ومع أول تصريح رسمي لوزير الخارجية التركي عن ضرورة المصالحة بين النظام والمعارضة، وما تبع ذلك من موجة تصريحات لمسؤولين أتراك وتكهنات لمراكز دراسات سورية وتركية وعربية، وكرة الثلج تتدحرج بين أنقرة ودمشق في سهول خالية من المطبات حتى الآن.

أبرز التصريحات التركية التي أخرجت العلاقة مع دمشق من حيز المصالحة بين النظام والمعارضة، إلى حيز العلاقة المباشرة بين تركيا والنظام في ملفات مشتركة بعيداً عن المعارضة! هو تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتاريخ 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2022 في معرض ردّه على إمكانية لقائه ببشار الأسد رئيس النظام السوري، عندما أعلن إنه “لا توجد خصومة دائمة في السياسة”

اليوم تتمّ ترجمة هذه التصريحات كواقع عملي بعد عقد أول لقاء رسمي بين الجانبين برعاية روسية، والاتفاق على عقد لقاءات قادمة بحسب تطوّر المحادثات الأمنية، وصولاً للقاء أردوغان والأسد كما يصرّح المسؤولون الأتراك والنظام السوري وروسيا أيضاً.

الأجواء كما وصفها الطرفان كانت إيجابية، ولم تختلف كثيراً التصريحات التي خرجت عن كل طرف بعد اللقاء، حيث قالت أنقرة إنها لا تمانع من تلبية مطالب النظام السوري في عودة اللاجئين، ولكنها قيدت ذلك بشروط عودة الأمن والاستقرار لسورية وزوال أي خطر أمني يهدد الحدود التركية، وأبدت التزامها الكامل بوحدة الأراضي السورية، وفي ذات السياق قالت دمشق إنها تتشارك مع أنقرة في رؤية قسد كخطر مشترك على أمن سورية وتركيا على السواء، وإن هذه المحادثات لم تكن لتحدث لولا ضمان مصالحها، والتأكيد على انسحاب القوات التركية من شمال سورية.

ولقراءة ما وراء التقارب التركي مع نظام الأسد، لابدّ من تسجيل بعض الملاحظات والاستنتاجات التي من الممكن أن توضّح ما الذي تريده أنقرة من هذا التقارب، وكذلك ما الذي ترغب به روسيا ويطمح إليه الأسد، وكيف يمكن أن تتصرف المعارضة: 

1- تحرص تركيا على التنسيق مع روسيا في كثير من القضايا ومنها القضية السورية، وتحتاج لبناء ثقة دائمة مع الروس في هذا السياق، وربما تأتي كل هذه الخطوات في إطار تقوية التحالف الروسي التركي إقليمياً ودولياً، خاصة في ظل ركود وجمود أمريكي تجاه سورية، يمنع الأتراك من التنسيق الفعلي والجاد مع الشركاء الأمريكيين.

2- لا يجب أن نستبعد ما يحدث في أوكرانيا من خارطة الأحداث، فالمؤشرات هناك تنبئ عن إنهاك روسي، يجبرها على التركيز بشكل أكبر في معركتها على حدودها الغربية، مما يجعلها بحاجة لشريك حقيقي وفاعل في إدارة الملف السوري يضمن عدم تأزّمه وتحوله لأداة ابتزاز لروسيا. والأتراك هم الشريك الأفضل في هذا الملف في ظل تركيز الإيرانيين على التغيير الديمغرافي الذي لا يعجب روسيا كثيراً. من الممكن قراءة هذه التحركات بين أنقرة ودمشق كجهد روسي يسعى لإشراك تركيا في إدارة الملف السوري من دمشق وتحقيق مصالح مشتركة للأطراف الثلاثة، تَحول دون تنسيق تركي أمريكي في المستقبل يجهض المصالح الروسية.

3- الأمن التركي علامة فارقة وملف انتخابي مهم، والعلاقة مع سورية كأداة لهذا الملف الأمني هي أبرز ملفات الانتخابات القادمة التي تهمّ المواطن التركي، والتي تمسّكت بها المعارضة التركية كتفوّق على الحزب الحاكم في تركيا، مما دفع بالعدالة والتنمية إلى العمل الجاد لسحب هذا الملف من أيدي المعارضة، والسير فيه لخطوات بعيدة جداً، لا تستطيع المعارضة اللحاق بها، ويمكن أن نلمس بوضوح اختفاء هذا الملف تقريباً من خطاب المعارضة.

4- لا يظهر أن أنقرة ستقدم أي تنازلات للنظام السوري، فهي تعلم أنه لا يملك المقابل لهذه التنازلات في ظل حصاره بقانون قيصر وقانون الكبتاغون الأخير، وهذه الخطوات رغم تطورها لن تزيد عن كونها ملفاً انتخابياً ستديره أنقرة وفق مصالحها الاستراتيجية، وستعمل على الاستفادة من هذا الملف من أجل تعزيز وجودها في شمال سورية وجعله أكثر شرعية وقبولاً لدى كل الأطراف، بما يضعف عدوها الأول هناك المتمثل بمليشيات pkk، والتي تمثلها قوات سورية الديمقراطية، وفي هذا السياق كشفت صحيفة صباح التركية أن وزير الدفاع خلوصي أكار صرح، خلال لقائه مسؤولي الأسد في موسكو، بإمكانية شن عملية عسكرية مشتركة مع النظام في سوريا ضد ميليشيات حزب العمال الكردستاني وقوات سوريا الديمقراطية في شرق وشمال البلاد. بما يعني اعتراف رسمي من دمشق باتفاقية أضنة وتطبيقها بشكل فعلي.

5- أنقرة ترمي النرد في علاقاتها مع النظام السوري لكنها غير ملتزمة إلا بالنتائج الجيدة لهذه الرمية، ولكنها بجلوسها إلى الطاولة منعت أي أحد أخر من متابعة اللعبة، وقدمت تحذير قوي للشركاء الدوليين بأنها مستعدة للّعب في أصعب الظروف وتستطيع إدارة النتائج، لكنّ ذلك لا يعني أنها لن تتقدم باللعبة إذا وافقت مصالحها الاستراتيجية في إنهاء pkk وضمان أمن حدودها، وحل مسألة اللاجئين بما يضمن أمنهم وسلامتهم.

6- تتساهل أنقرة حالياً في شروط عقد اللقاءات، ولا مانع لديها من الكثير من الكلام ما لم يؤثر على مصالحها، ولكن الأمر سيكون أصعب بعد الانتخابات التركية، وروسيا تدرك ذلك جيداً، لذلك فهي تسعى لتحقيق تقدم ملموس بين الطرفين في الفترة الحالية.

7- من جانب آخر ترغب تركيا بالوقوف بشكل غير مباشر ضد مشروع إيران في التغيير الديمغرافي في المنطقة عبر إعادة العرب السنّة إلى الشمال السوري عن طريق تفاهمات مع كل الأطراف ذات الصلة، وبما يحمي حدودها الجنوبية من أي نفوذ قد يشكل خطراً مستقبلياً على تركيا. فإيران ليست جار مرحب به دائماً على الحدود.

8- لا تبدو تركيا مهتمة جداً في هذه الخطوات بمصالح المعارضة السورية، وفي ذات الوقت هي غير مستغنية عنها، وإنما تتعامل معها كإحدى أوراق الضغط التي يمكن أن تمارسها على روسيا والنظام، خاصة فيما يخص اللاجئين، رغم تأكيد أنقرة أنّ التقارب مع نظام الأسد لن يكون على حساب المعارضة السورية، ولكن بنفس الوقت لن يكون لمصلحتها، وإنما بما يتوافق مع المصلحة التركية، ومن المؤكد أن المصلحة التركية هي في حدود شمالية آمنة تسمح بعودة اللاجئين دون ملاحقات أمنية مباشرة تجعل الوضع أكثر سوءاً، وهذا فقط ما تركز عليه تركية في بحثها عن تسوية أو حل بما يخص السوريين، أمّا غير ذلك فهي تركز على مصالحها المباشرة.

9- إن إخراج المعارضة السورية حتى كلاعب شكلي في المحادثات مع روسيا كما يحدث في مسار أسِتانة، يعطي انطباعاً أن تركيا تريد حل المسألة السورية بعيداً عن السوريين المحسوبين عليها، وبأن المعارضة مترهلة لدرجة أنها غير قادرة على المناورة مع الشركاء في أي عملية سياسية قادمة، لذلك لابدّ للمعارضة من تغيير خطابها لاستعادة الثقة، وطرح مبادرات جديدة للحل تكون فيها شريكاً مباشراً بما يضمن مصالح الأتراك والقوى الإقليمية الأخرى.

10- يطمح النظام السوري لتحقيق بعض المكاسب الاقتصادية عبر تركيزه على فتح الطرق الدولية، كما يريد تحقيق تعويم إقليمي يمنحه فرص جديدة باستعادة قبوله دولياً، خاصة بعد إقرار قانون الكبتاغون، الذي سوف يجعل النظام أكثر تمسكاً بالسلطة، وأكثر شراسة واستعصاء في الدفاع عنها، لأن هذا القانون يسلبه حرية التحرك الدولي مستقبلاً، لذلك فهو يبحث عن مخرج إقليمي يوفر له مجال ليتنفس منه وخطوة للأمام يقوم بها، ولو كان على حساب تسليم أراضي جديدة بحسب اتفاقية أضنة، أو القبول بإدارة مشتركة طويلة الأمد للشمال السوري مع الأتراك، ويدرك النظام أن الأتراك يتعاملون معه ضمن استحقاق انتخابي، لذلك فهو يحاول استغلال الفرصة قبل تعقّد الأمور، خاصة مع عدم ضمان فوز المعارضة التركية.

11- إن هذه الخطوة ستحقق مكسب مؤكد للنظام إذا قدم التنازلات بسخاء، فهي ستؤمن وجوده كشريك مع الحكومة التركية القادمة كيفما كان شكلها، فالحكومة التركية اليوم والمعارضة التركية أيضاً مرحبة بالتعامل معه بنفس القدر، وهذا ما لن يضيعه النظام إلا إذا تمكنت إيران من الضغط عليه حفاظاً على مصالحها الاستراتيجية في سورية، وإعاقة التفاهم الذي من الممكن أن يعيد اللاجئين ويُدخل تركيا على ملف الإدارة المباشرة لدمشق إلى جانب روسيا وإيران.

12- على المعارضة السورية التنبه جداً لهذه النقاط وللسيناريوهات البديلة، وعليها أن تكون في هذه الفترة أكثر تواصلاً مع الأتراك ومنفتحة على كل الخيارات الممكنة التي تحفظ وجود السوريين وأمنهم، وأن لا تعطي مجالاً أكثر للنظام السوري كي يتواجد على ضفتي القرار في روسيا وتركيا، وأن تعمل مع كل الأطراف الإقليمية والدولية والمحلية لكي تستطيع الحضور على خارطة التفاهمات والمصالح، كما يفترض بها تغيير خطابها نحو خطوات أكثر عملية تجاه الأهداف التي يهتم بها المواطن السوري في الشمال والتي تتلخص بإيجاد حلول تحفظ أمنه وسلامته.

13- إن الزخم الشعبي الرافض لأي علاقات بين أنقرة ودمشق هو سلاح بيد المعارضة لا ضدها وعليها أن تدعم هذا الزخم وتعبر عنه أثناء المناورات السياسية الممكنة.

14- يجب أن تستغل المعارضة هذه الفترة الحرجة قبل الانتخابات التركية من أجل استعادة الثقة بينها وبين الشركاء الأتراك، فالأمور ستكون أكثر صعوبة بعد الانتخابات مهما كانت نتائجها، لذلك يجب بناء شراكات حقيقية في هذه الفترة القصيرة تجعل من المعارضة السورية شريكاً لأي حكومة قادمة، وذلك عبر التركيز على أهدافها الممكنة، ومصالح الناخب التركي في التأكيد على أن العودة هي خيار السوريين والذي يجب إدارته بحكمة من جميع الأطراف.

15- إن الموقف الأمريكي لا يُشترط أن يبقى جامداً فترة طويلة، وقد يتحرك في أي لحظة، إن الأتراك رغم كل علاقاتهم المميزة مع روسيا يحافظون على شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة في المنطقة، وقد ظهر هذا بوضوح من خلال التصريحات الرسمية التركية التي أكّدت أن الولايات المتحدة تنتقد تحركات أنقرة ولكنها لا تعارضها، لذلك من المهم الحفاظ على علاقات جيدة في الوسط التركي الأمريكي

 ختاماً:

لا يعني ما سبق أن تغيير النظام أصبح مستحيلاً، لكن الأدوات أصبحت مختلفة، وإذا لم تدرك المعارضة والثورة هذا التغيير وتتمكن من التعامل معه استراتيجياً، فلن تحقق أي شيء على المستوى القريب أو البعيد، وستصبح قريباً جداً أداة منتهية الصلاحية، وورقة خاملة، تنتظر أن يتم استعمالها لا أن تفعل، وهذا ما يحتاج خطوات جادة وجريئة على كل المستويات السياسية والعسكرية والاجتماعية، من أجل أن تعود المعارضة لاعباً أساسياً في التسوية السورية، وإلا فإنها ستُعتبر المسؤول الأول عن وأد القضية السورية كاملةً.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط