من عمل بما علِم أورثه الله عِلمَ ما لم يعلم

أ.عبد الله عتر

0 31

تصدق هذه المقولة في علوم الروح والنفس كما تصدق في علوم الواقع والحياة العلمية.
الفكرة الجوهرية أن هناك نوعين مختلفين من المعرفة:
أ- معرفة نظرية:
يستمدها الإنسان من تفكيره المنطقي بالنسبة إليه، ومن العلوم المنظمة التي يتلقاها في المدرسة والجامعة ومنصات التعليم المعتادة، كالرياضيات والفيزياء وعلم النفس واللغة.
ب- معرفة وارثة للتجربة:
هذه معرفة يُتوصل إليها بطريق التجربة (كما يقول الرازي في تفسيره)، ويستمدها الإنسان من عمله بما تعلمه بالدرجة الأولى، ثم من معرفته بتجارب الآخرين.

من يتعلم أيّ علم أو مهارة دون أن يعمل بها فعليًا ويشتغل في أسواقها يحصل على المعرفة (أ)، وهذا النوع هو الذي تركّز عليه أكثر المدارس والجامعات، لكن العمل بهذا العلم وتشغيله في الواقع أمر مختلف تمامًا، إنه يحتاج إلى المعرفة (ب)، التي لا تُقدم نفسها إلا لمن يتقدم إليها بنفسه وبشكل شخصي 😄
هذان النمطان من المعرفة يظهران في كل مكان تقريبًا، ويتجمع حول كل منهما شبكة مصالح وأعراف وتنظيمات مؤثرة.
يظهر النمطان في العلاقة التقليدية بين المهندس المدني وعامل البيتون، حيث يمثل المهندس علم الهندسة بترسانته الأكاديمية العريقة، ويُمثل عامل البيتون خبرة البناء والتسليح بتجاربه الممتدة الغنية، كما تظهر بين مهندس الكهرباء وعامل الكهرباء، وبين مهندس الميكانيك والمكنسيان، بين الخبير السياسي ورجل السياسة، بين خبير الاقتصاد والتاجر، و بين المهندس الصناعي ومدير المصنع، و بين الفقيه والمفتي، وبين عالم الاجتماع والمُصلح.
إن من يتمكن من العبور بين المعرفتين والجمع بينهما بدرجة معقولة فهو الشخص القوي والمؤثر في مجاله..
معرفة الله ستكون باردة وباهتة طالما بقية في المعرفة (أ)، حتى تنتقل إلى المعرفة (ب) تحتاج إلى العمل، الذي يتجسد بالعبادات (عبادات القلب)، كالإخلاص والتوبة، و(عبادات الجوارح)، كالصلاة والصيام وتلاوة القرآن، لهذا فإن رسول الله كان أعظم العابدين، ومن لا يجيد التعبّد ستبقى معرفته بالله على شواطئ لم تبتل حتى بالماء.
لا يصح أن ننطلق لعمل شيء دون علم كافٍ حوله، كما لا يصح أن نكتفي بالمعرفة النظرية دون أن يكون عندنا حس عملي تجاهها، والله أعلم.
معرفة الحب تمشي على الطريق نفسه، العشيقان بلا زواج قد يعرفان الحب بالمعرفة (أ)، أما الزوجان فيعرفان الحب بالمعرفة الكاملة، لذلك فالحب هنا حقيقي جدًا.. 🧡

اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط