نسويات في حادثة مقتل “هبة” (استثمار في الدماء وازدواجية في المعايير)

أحمد وديع العبسي

2٬652

مرّت أربعة أيام على مقتل المرأة السورية “هبة حج عارف” (رحمها الله) في مدينة بزاعة في ريف الباب، ومنذ اللحظة الأولى (للأسف) بدأت المؤسسات النسوية بالاستثمار في مقتلها دون أدنى احترام لأهل الضحية أو أصدقائها أو احترام لها، عندما جعلوا منها ناشطة نسوية (قتلت بسبب نشاطها) أو لأن المجتمع متحجر (غاضب على نشاطها النسوي)! طبعاً دون أي دليل! واعتماداً على روايات مصطنعة لم تثبت حتى الآن

وساهم في هذا الاستثمار بعض وسائل الإعلام السورية التي تفتقر لأدنى درجات المهنية واحترام أخلاقيات الصحافة المنصوص عليها في مختلف مواثيق الإعلام العالمية والعربية، حيث لا يصح نشر ملابسات حول أي قضية لا يزال التحقيق فيها جارياً حرصاً على عدم تضليل الرأي العام أو تضليل العدالة، وفي حال وصول الصحافة لأدلة، من المفترض أن تُقدم هذه الأدلة إلى الضابطة القانونية (النيابة) للتأكد من صحتها وموثوقيتها، ثم نشر ملابستها بعد الحصول على الموافقات اللازمة من الجهات القضائية المختصة، ومن ذوي الضحية، وفي حال ثبت تورط جهات رسمية، فعلى الأقل الحصول على موافقة على نشر (الأدلة الموثقة) من ذوي الضحية لتجنب إلحاق أي ضرر مادي أو معنوي أو نفسي بهم.

هذا ما تنص عليه جميع اللوائح الأخلاقية والمهنية في عالم الصحافة، وبالذات اللوائح الأخلاقية الغربية (الأوروبية والأمريكية)

ولكن النسويات المهتمات بالاستثمار بالدماء لم يلتفتن لكل هذا، وأسرعن لتبني الروايات التي تناسبهنّ، متجاهلاتٍ الحقيقة والتحقيق، ومتجاهلات سلامة صديقات الضحية فيما لو صحت تلك الادعاءات الكاذبة حتى الآن، عندما تبنينّ روايات تناسب ما يتطلعنّ إليه من وسم المجتمع السوري باضطهاد المرأة!!!

تمّ التعريف ب “هبة” على أنها نسوية، في كل وسيلة إعلامية تحدثت إليها النسويات، وكأن المرأة السورية لم يكن لها تعريف سابق وجدت به قبل أن تكون نسوية، أو ربما لأن المرأة غير النسوية لا تستحق التعاطف والعزاء من بعض النسويات اللواتي لا يحترمن المرأة، وإنما يتاجرن بها لتحقيق أهدافهن، أو لنقل يحترمن فقط النسويات مثلهن! فالعديد من النساء في سورية تعرضن لجرائم مشابهة لم تعزّ بهنّ النسويات والمؤسسات النسوية!!! أو على الأصح لأن هؤلاء النسويات يرغبن في المزاوجة بين هذه الصفة وسبب القتل!! من أجل أهدافهن الرخيصة والدنيئة …

تمّ نسج الخيالات والقصص والروابط العجيبة حول أسباب القتل وطريقته، والتي لم يُظهر التحقيق صحة أيّ منها حتى الآن، وجعلوا نشاط الضحية “هبة” سبباً في ذلك، رغم أنها مديرة مدرسة عادية، وهذه واحدة من أقدم الوظائف التي تشغلها المرأة في سورية، وهي من أكثر الوظائف انسجاماً مع طبيعة المجتمع السوري، علماً أن عدد الناشطات في المجالات (الجديدة) صار بالآلاف في الشمال السوري فحسب، ولم يتم قتل أيّ منهن لأسباب مشابهة، ولكنها الانتهازية وفرصة الاستثمار في الدماء التي تذكرنا بأساليب الأنظمة القمعية …

والنسويات تتبنين القيم الغربية، ومن المفترض أن يحترمن تلك القيم، ولكن يبدو أنهنّ وفيات للغرب الذي يحبونه في تبني ازدواجية المعايير، حيث تسقط القيم المهنية والأخلاق أمام انتهازية الاستثمار وتحقيق الأهداف، ولو على حساب دماء جديدة، أو على حساب مشاعر وعواطف وخصوصيات الناس. والأمثلة لهذه الازدواجية لا تبدأ عند النسويات ولا تنتهي عند ما يفعله الصهاينة في غزّة…

وللأسف أيضاً يطل علينا بعض من يسمون أنفسهم (قوى سياسية) ليلعبوا ذات الدور الذي لعبته النسويات في الاستثمار بالضحية من أجل تصفية حسابات مع قوى سياسية أخرى، كما فعلت ما تسمى (مجموعة العمل الوطني من أجل سورية) عندما ساقت مجموعة من الادعاءات والأكاذيب غير المثبتة حتى الآن، من أجل تصفية حساباتها مع الائتلاف الذي طرد أعضاءها من قبل!!! ولا يعنيني هنا الدفاع عن الائتلاف أو الهجوم على غيره، ولكن يعنيني التوقف عن هذه القذارة التي يمارسها كل من هبّ ودب باسم دماء السوريين وتضحياتهم وأزماتهم والجرائم التي يتعرضون إليها …

ويهمني في النهاية أن نصل في سورية إلى مؤسسات وأفراد يحترمون القانون والأخلاق ومشاعر الناس والقضاء ومهنية الإعلام والصحافة، وأن نتوقف عن العادات التي ورثها البعض عن النظام السوري المجرم والقيم الغربية ذات المعايير المزدوجة والتي تبيح الاستثمار بدماء الناس ودموعهم من أجل تحقيق غايات ضيقة ورخيصة ومبتذلة …

وأخيراً ..

الرحمة للضحية المرأة السورية هبة حج عارف سواء كانت نسوية أم غير ذلك والعزاء لذويها ومحبيها

والعار على الحركة السياسية النسوية وشبيهاتها التي استثمرت بدماء الضحية بلا أخلاق ولا مشاعر ولا احترام

 

 

__________________________________________________________________

هذه المقالة تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن المؤسسة/ات التي يمثلها (صحيفة حبر – ميثاق شرف الإعلاميين السوريين) 

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط