جروح النفس أنستني مرضي!

نسرين عليوي

نسرين عليوي

(أبو سمير) من حماة في الأربعينيات من العمر أب لأربعة أولاد، ثلاثة أولاد وفتاة تجاوزت السبعة عشر عامًا، عصفت به رياح الحرب فاقتلعه من بلده حماة هو وزوجته وأولاده وحطت به في سراقب لمدة.

يقص لنا أبو سمير حكايته فيقول:

“بعد أن أحاط بنا الخطر في بلدي من كل جانب، وهجر النوم من عيناي بسبب خوفي على عائلتي، سلمت أمري لله وقبلت الهجرة حفاظًا على عائلتي وكرامتي حتى حطت بي الرحال في مدينة سراقب التي عوضتني كثيرًا ممَّا خسرته وتركته وراء ظهري، فوجدت الجار الكريم والأصدقاء والاحترام وكرم الأهالي، وكنت أمدُّ يد المساعدة لأصدقائي وأهل بلدي الجديد، فأحوالي كانت ميسورة والحمد الله.

لمتابعة كل جديد اشترك في قناة صحيفة حبر على تلغرام اضغط هنا

وبقيت في هذه المدينة لتسع سنوات، ولم أشعر بالغربة بالرغم من شوقي لبلدي وذكراه التي لا تغادر مخيلتي.”

نيران الحرب والهجرة الثانية:

يكمل (أبو سمير): “لكن نيران الحرب التي اشتعلت لم ترحم صغيرًا ولا كبيرًا، فاحتلت ميلشيات الأسد سراقب وما حولها، وأخذت منَّا كل ما نملك ورمت بنا في مدينة إدلب المزدحمة، وتفرق الشمل وكل صديق أصبح بمكان، وأصبح الوضع يتدهور يومًا بعد يوم، والحياة تضيق بي كأن جبلًا يجثو على صدري ويخنقني.”

 

انهزام الجسد أمام هموم الحياة

يتابع أبو سمير حكايته قائلاً: “تدهورت حالتي الصحية، وأصبح الألم رفيقًا لي في كل أوقاتي، لكن الألم مزق ظهري ولم أعد احتمله، فصرخت بأعلى صوتي من شدة الألم واجتمع الجيران وزرع الرعب والخوف في أعماق عائلتي.

قاموا بإسعافي إلى المشفى، لكن للأسف لم يستطع أحد تشخيص حالتي وتفسير ألمي الذي جعلني طريح الفراش، فأصبحت أعيش على المسكنات وحقن الالتهاب التي عجزت عن تسكين الألم، ولم أجد حولي أحدًا من أصدقائي الذين علموا بحالتي، لكن ظروفهم حالت دون الوقوف معي إلا صديقي الصدوق (أبو رياض) كان معي في كل أوقاتي وفي وأصعب ظروفي، كان يقف إلى جانبي دون كلل أو ملل.”

اقرأ أيضاً:  أردوغان يفتتح مسجد تقسيم وسط إسطنبول (صور)

ومن صلب الألم ينبعث الأمل بفضل الله ، يتابع أبو سمير قائلاً: “أخذني صديقي أبو رياض إلى مشفى باب الهوى بعدما رأى تدهور حالتي وصحتي، واجتمع الأطباء لدراسة حالتي وقرروا أخذ خزعة من ظهري لتحليلها خوفًا من مرض خبيث، وليس مني إلا الصبر وتسليم الأمر لصاحب الأمر، فجاءت ابتسامة الطبيب لتعيد إليَّ الحياة قبل معرفة النتائج، فقد قرر دراسة حالتي مع عدد أطباء، وبالفعل بذل مجهودًا كبيرًا ليزف إليَّ البشرى بأن لا حاجة لي لأي عمل جراحي، وأن عليَّ أن أذهب إلى مشفى (السل) في مدينة إدلب لتلقي العلاج هناك.”

 

يقول أبو سمير: “أخذني صديقي مسرعًا إلى المشفى، لكني وجدت الطريق طويلًا والزمن متوقفًا حتى وصلت إلى المشفى لأجد العناية الجيدة والاهتمام وتحسنت على الدوام واستجبت للعلاج،

وعدت مجددًا إلى عائلتي اشتقت لها كثيرًا، لكن مايزال الألم في ظهري، وأحتاج فترة لأستعيد نشاطي.

والذي زاد الألم كثرة الديون التي تراكمت عليَّ وأثقلت كاهلي وجعلتني أنزف نفسيًا، فرغم عدم توفر فرص للعمل زاد المرض ديوني، فهل جرح النفس من الديون وآلامها أكبر أم آلامي من مرضي؟! والله جروح النفس أنستني مرضي.”

يختم أبو سمير قصته معنا: “أسأل الله الشفاء لكل مريض، والفرج العاجل لجميع الناس، وأسأله ألَّا يذيق أحدًا مرارة الألم الذي مررت به ولا ثقل الديون وهمها.”

حكايا الناسريف إدلبسراقبسورياقصة إنسانيةنسرين عليوي