الإرهاب وأبعاد السياسة العالمية

د. نذير الحكيم

د. نذير الحكيم

عضو الهيئة السياسية في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة

 

يمكن لأي عامل في المجال السياسي ملاحظة ظاهرة المصطلحات السياسية التي تتوهج، ويكثر استعمالها كمصطلح الإرهاب، وأخرى تنطفئ وتُنسى كمصطلح الحرب الباردة، ويمكن القول: إن مصطلح الإرهاب نسخَ مصطلح الحرب الباردة، وصار خالقًا للكثير من السياسات، ومؤثرًا فاعلاً في العلاقات الدولية، وتحول الإرهاب إلى القطب الثاني في العالم خلفًا للاتحاد السوفيتي وحلف وارسو بعد تفككهما.

إن منطقة الشرق الأوسط منطقة غنية بكل المقاييس من حيث موقعها الجيوسياسي في قلب العالم، ومخزونها الوفير من الطاقة ومعدلات النمو السكاني العالية، التي تبقي مجتمعاتها فتية ونشطة.

وليس من باب الصدفة أن كل الإمبراطوريات المتتابعة اتجهت للسيطرة على هذه المنطقة، وفي الوقت ذاته فإن منطقة الشرق الأوسط منطقة رخوة تعاني العديدَ من النزاعات العرقية والمذهبية والفكرية، وتعيش حالةً من الهشاشة في التنمية والتخلف وفي العديد من المجالات؛ بسبب تسلط الحكومات الدكتاتورية عليها.

لذا، وللأسف، تمحورت كل إجراءات وسياسات محاربة الإرهاب ضد المنطقة العربية، وتحديدًا ضد المسلمين، وتم تعويم مصطلح الإسلاموفوبيا، وبدأ الضغط على الحكومات العربية من أجل تغيير بعض القوانين، وتقييد الحريات المقيدة أصلاً، وتغيير مناهج الدراسة وما إلى ذلك.

إن هوية من قام بتفجير برجي التجارة العالمية لم يؤثر على سلوك الولايات المتحدة الأمريكية التي ذهبت جريحة إلى مجلس الأمن، وتم استصدار القرار 1373 بالإجماع في جلسة استمرت خمس دقائق تحت البند السابع، الذي يطلب من الدول استصدار تشريعات تتوافق مع القرار، لكنهم فشلوا في تعريف الإرهاب المطلوب محاربته، وبعدها مباشرة ذهبت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى أفغانستان لمحاربة حركة طالبان بحجة استقبالها لتنظيم القاعدة، ثم ذهبوا إلى العراق وأسقطوا نظام صدام حسين بحجة امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل.

وبالنظر إلى عدم وجود تعريف واضح للإرهاب، وممارسة سياسة الضغط العالي على الدول العربية والإسلامية للانضمام إلى الحرب على الإرهاب، الذي كانت باكورته استهداف بلد مسلم ثم بلد عربي مسلم، صار المزاج الإسلامي العام ضد هذه الحرب، وهذا ما وضع حكومات المنطقة بين مطرقة مطالب الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، وسندان الشعوب العربية والإسلامية.

وتوالت القلاقل والمشاكل التي فتكت بدول المنطقة في الوقت الذي كانت فيه روسيا الاتحادية ودول شرق أوروبا المنضوية سابقًا تحت ما يُسمى حلف وارسو تتعافى، حتى أن بعض هذه الدول انضم إلى الاتحاد الأوروبي وتحول إلى النظام الليبرالي.

أستطيع القول: إن الربيع العربي وضع حدًا للحرب على الإرهاب بالشكل الذي عرفناه سابقًا، حيث أظهرَ وعي الشعوب وقدرتها ورغبتها في التغيير وإصرارها على النهضة واللحاق بركب التطور، وأوصلت صوتها لكل محافل وعواصم العالم، وأظهرت زيف وسمها بالإرهاب، وتركت الأنظمة الديكتاتورية حبيسة إيديلوجيتها المهترئة وأجهزتها القمعية البائدة قريبًا.

لم يعد الإرهاب قطبًا رئيسًا في السياسة الدولية، حيث بدأت أقطاب جديدة بالتشكل كالتسابق الاقتصادي والتكنولوجي الأمريكي ـــ الصيني، والحروب الوبائية التي بدأت بفرض قواعدها على جميع الدول، كما يضاف إلى هذه الأقطاب الهجمات السيبرانية التي لا يمكن توقع نتائجها.

وفي ظل هذا الواقع المستجد، وبقراءة معمقة للتغيرات التي تحدث في العالم، وتبدل أولويات واهتمامات الدول العظمى التي تؤثر بشكل جدي وملموس على الأوضاع في منطقتنا، فإنه من الواجب عليها بذل جهود مكثفة من أجل الوصول إلى خلع الأنظمة الاستبدادية والمتسلطة، التي تهاوت قواها بفعل الحراك الشعبي الواعي والمسؤول، وإبعاد أوطاننا عن التأثيرات الكارثية للتنافس الدولي، وكلنا أمل أن يزهر ربيعنا العربي الجميل.

الثورات العربيةالنظام السوريتركياد. نذير الحكيمسورياصحيفة حبر