حرب غزّة وأحداث الساحل مروراً بالسويداء، ماذا تريد إسرائيل من التصعيد في سورية

أحمد وديع العبسي
حرب غزّة وأحداث الساحل مروراً بالسويداء، ماذا تريد إسرائيل من التصعيد في سورية

منذ أن قررت الإدارة الإسرائيلية تصعيد وتيرة الحرب في غزّة قبل الوصول إلى اتفاق بخصوص وقف اطلاق النار وتبادل الأسرى، كان هاجس الكيان الصهيوني هو وضع حد لإمكانية التهديد الأمني لدولة الكيان من داخل فلسطين ومن خارجها، وكانت الإدارة الإسرائيلية جادة تماماً بمقترح ترحيل الفلسطينيين في غزّة إلى الأردن وسيناء، وصناعة مناطق شبيهة بالحكم الذاتي للفلسطينيين خارج فلسطين، ضمن سيطرة أمنية إسرائيلية مطلقة بتعاون أردني مصري (كلٌّ بحسب منطقته) بما يجعل خسائر الحرب ذات جدوى، وعطي الكيان الذي بدأت تظهر عليه علامات الانقسام فرصة جديدة للحياة وحل مشاكله الداخلية.

لم تأتِ صفقة تبادل الأسرى في هذا السياق، وظهر في المدّة القصيرة التي تمّ تطبيق الاتفاقية بها، أن كل أهداف الحرب بدأت بالتلاشي، وتبقى وقت قليل جداً لتبدا مشكلات ما بعد الحرب بالظهور، وليبدأ معه الانقسام الداخلي الإسرائيلي بالتفاقم، مما يهدد الكيان بالكامل ويعطي فرصة للفصائل الفلسطينية وفي مقدمتها حماس لإعادة ترميم قوتها وأخذ زمام المبادرة من جديد، فكان لابدّ من استمرار الحرب لتجنب مثل هذا السيناريو، وللعودة بقوة إلى سيناريوهات التهجير للفلسطينيين تحت وطأة الدماء والمجازر.

تشكيل رؤية الدفاع الجديدة في الكيان الصهيوني 

اعتقد أن الرؤية الإسرائيلية منذ تسلم محمد مرسي السلطة في مصر قد تغيرت جذرياً بخصوص شكل علاقاتها بالمحيط الإقليمي العربي الإسلامي، وطبيعة تعاملها مع هذا المحيط أمنياً وعسكريا وحيوياً على المدى الاستراتيجي، وتشكّلت قناعة لدى (مجلس الأمن القومي في الكيان) أن إسرائيل لا يمكن أن تتعايش مع محيط حيوي يفوقها حجماً بأضعاف من الناحية الجغرافية والبشرية، مهما كان هذا المحيط محمي باتفاقيات سلام وتعاون وتطبيع، لأن الوجدان والثقافة والرسالة الحاكمة لهذه الشعوب ستبقى تنظر إلى الكيان على أنه عدو مغتصب لأرضهم، وأن امتدادات نظرية الأمة حاضرة عند الشعوب العربية المسلمة، وما تزال هذه الشعوب ترى أن فلسطين والقدس هي قضيتها المركزية الدينية والعروبية والحضارية.

لذلك كان لابدّ من إيجاد حل لتقليص حجم هذا المحيط بأي طريقة، ما يضمن وجود إسرائيل لمئة سنة قادمة، فكان الانقلاب على مرسي الخطوة الأولى في هذا السياق، وكان العمل على استمرار نظام الأسد في سورية جيد من حيث وجود نظام مجرم يقمع الشعب السوري ويضمن استمرار حرب داخلية طويلة الأمد، ثم العمل على تغيير شكل التطبيع ليكون أكثر إدماجاً وجدانيا وثقافياً، فتوجهت إسرائيل لدول عربية وإسلامية ليست في صراع مباشر معها لتكون عرّابة لرسم الشكل الجديد للعلاقة مع الكيان القائمة على التعاون في قطاعات الاقتصاد والترفيه والثقافة، وتقديم صورة جديدة لعلاقة (الشعوب) التي يمكن أن تندمج مع بعضها…، وانفقت إسرائيل المليارات في سبيل هذه الدعاية هي ومجموعة التطبيع الجديدة تحت مسمى (الاتفاقات الابراهيمية)

واعتقد أنّ الكيان الصهيوني اتّخذ قراراً بالتشارك مع الدول الاستعمارية على إعادة رسم منطقة الشرق الأوسط الجديد (في ما قبل حرب غزّة أو اثنائها) يقوم على تضييق المجال الحيوي المحيط بإسرائيل بحيث يتم حمايتها بدول وظيفية من الشمال والغرب بشكل أساسي، ما يضمن تحييد أكبر مجالين بشريين محيطين بها في سورية ومصر.

في حرب غزّة ترسخت هذه القناعة، ورأت إسرائيل بشكل مباشر ماذا فعلت سنة واحدة من فقد السيطرة على مصر بقوة حماس، وكيف استطاعت الحركة استغلال هذه الفترة القصيرة لتشكل قوة استراتيجية يصعب التعامل معها، بالإضافة لمتابعتها إمكانية تغيّر مزاج اللاعبين الإقليمين بين فترة وأخرى مما يزيد من القدرة على إضعاف الكيان وابتزازه وتحويله إلى منطقة غير آمنة، بدلاً من ان يكون مركزاً استعمارياً مُسيطِراً على محيطه الإقليمي.

تكتيكات الحرب 

مرّة أخرى أتصوّر أن الكيان خاض الحرب وهو يريد تنفيذ الرؤية الدفاعية الجديدة، عبر انشاء دولة في سيناء تكون خليط مصري فلسطيني تحت سيطرة صهيونية مباشرة، دون أي مقومات للدفاع، شبيهة بوضع السلطة الفلسطينية في رام الله، ودولة أخرى في الجنوب السوري، تكون خليط من الأقليات المنشغلة بالرفاه الاقتصادي وفرص العمل دون أي قدرات أمنية، وتحت سيطرة صهيونية مباشرة أيضاً، وفي ذات الوقت تضغط عبر مجازر متواصلة على أصحاب الأرض (الفلسطينيين) لإجبارهم على اللجوء للدويلات الجديدة والاندماج بها ضمن مخيمات تسلبهم أي قدرة على المقاومة، وتضعهم تحت إشراف ورقابة أممية صارمة تمنعهم من تشكيل أي قوة في المستقبل، خاصة أن هذه الكيانات ستكون شبيهة بالأردن ومصر كدول كبيرة، تعتمد على المساعدات بشكل رئيسي في اقتصادها. وبهذه الخطوة تكون إسرائيل قد أمنت حدودها من تداعيات أي تغيير يمكن أن يتراكم بشكل أسرع من قدرتها على الاستجابة، من الناحية البشرية بشكل أساسي، فأي تغيير في المحيط الإسلامي صار عليه أن يتجاوز دولة كاملة من أجل الوصول إلى إسرائيل، ولا يمكن أن ينشأ على الحدود بشكل مباشر.

طبعاً يرافق ذلك دعم استقلال شرق سورية والفوضى المتواصلة في الساحل لإضعاف أي دولة وليدة في دمشق أو الشمال السوري. في تجربة شبيهة لما حدث في السودان في تسعينيات القرن الماضي، من اقتتال مستمر بين الدولة والمتمردين ينتهي بالتقسيم وضعف الدولة في جميع المجالات.

يضاف إلى ذلك العمل على إعادة تركيا إلى محيطها الأوروبي عبر دعم وصول الحزب الجمهوري للحكم مرة أخرى بما يضمن حيادها لفترة زمنية طويلة، ودعم الإجراءات الاستبدادية في مصر لجعل القاهرة ضعيفة دوماً وغير قادرة على مقاومة الرغبة الصهيونية بإقامة دولة في سيناء، والضغط عليها أيضاً بالتعاون مع أثيوبيا في قضية مياه النيل ووضع الشعب المصري تحت رعب العطش والجوع.

الكركبة والفوضى من تحرير سورية إلى اليوم

عندما بدأت حرب التحرير في سورية، كانت الأمور تسير وفق ما هو مخطط له، لذلك لم تتحرك الدول لإنقاذ الأسد، فالرؤية وبحسب كل التسريبات التي خرجت من طاولات صنع القرار، كانت تنص على التوقف بعد حماه، ودعم جيش نظام الأسد للصمود على حدود حمص، وبذلك يتم تحقيق حلم الدولة الوظيفية في الجنوب بقيادة الأسد (سورية المفيدة)، وإرضاء الثوار بدولة واسعة ضعيفة (بدون ساحل) تنهي مشكلة اللجوء السوري، بينما يتم المحافظة على إدارة قسد كدولة ثالثة.

إنّ انهيار جيش النظام بهذه السرعة والدراماتيكية كان مفاجئاً جداً ومربكاً للرؤية الدولية، كما كان مغرياً للثوار بالتقدم حتى تحرير دمشق، مما أجبر الكيان على التقاط الانفاس وإعادة التفكير بتكتيك جديد لضمان عدم وحدة سورية وقوتها، وضمن هذه المعادلة الجديدة كان لابدّ من تدمير أي قدرة عسكرية لدى الجيش السوري الجديد، وهذا ما فعلته إسرائيل وتفعله منذ التحرير إلى اليوم، ثم تمّ دعم فلول النظام في الساحل لإشغال الدولة الجديدة وعدم السماح لها بالاستقرار، ودعم تمسك قسد بمناطقها بحيث تبقى الدولة بدون ثروات طبيعية، بالإضافة لإيجاد مجموعة من العملاء في السويداء من أجل تحريكهم لطلب الاستقلال الذاتي.

وكما تابعنا فقد فشل الفلول في إرباك الدولة بعد تصدي الشعب بمختلف أطيافه لحملتهم الإرهابية والطائفية، والاتفاق المبدئي مع قسد عطّل أي تهديد للدولة الجديدة من الشرق، إلا أن الخطر لا يزال موجوداً ما لم يصبح هذا الاتفاق نافذاً … فالاتصالات بين إسرائيل وقسد قائمة، ولكنّ قسد قررت أن لا تكون في الواجهة ولا تتحمل عبء المواجهة العسكرية بعد أحداث الساحل، ولكنها ستدعم أي تحرك حقيقي وكبير في الجنوب ضد الدولة، وقد أعطت إسرائيل ثمانية أشهر لأخذ زمام المبادرة وتحقيق تقدّم على الدولة الجديدة، وهي فترة وضع الاتفاق مع الدولة السورية موضع التنفيذ.

تبقى مشكلة المتعاونين مع الاحتلال في السويداء، وضرورة وضع حد لهم وانهاء أي سلاح لا يتبع للدولة في هذه المنطقة، وهذا ما ترى إسرائيل أنه قريب، بسبب عدم استجابة الغالبة الساحقة من أهالي السويداء للوعود والمغريات الإسرائيلية وتمسكهم بسورية الموحدة، لذلك بدأت إسرائيل تُصعّد كل يوم من التدخل المباشر في الأراضي السورية، لدعم المتعاونين معها وتقويتهم وإعطائهم إحساساً حقيقياً بجديّتها في تشكيل دولة لهم، ومحاولةً منها لجرّ الدولة الجديدة إلى صراع مباشر معها، يمكّنُها من رسم الخريطة الجديدة بالقوة المباشرة، وهذا ما يجب أن تكون الإدارة الجديدة متيقظة له، وأن تتمتع بأعلى درجات ضبط النفس والصبر الاستراتيجي.

ما هو الحل؟ 

لا اعتقد أن إسرائيل ستهدأ مطلقاً دون تحقيق أمنها الإقليمي، وأتصوّر بأنها ستأخذ المنطقة إلى مزيد من التصعيد، لأنها تعلم ان أيّ توقف للحرب في غزّة أو للمناوشات الخارجية دون تحقيق الرؤية الأمنية الجديدة سيكون له آثار كارثية بالنسبة للداخل الإسرائيلي، وسيرسم نهاية إسرائيل في غضون سنوات قليلة لن تتجاوز عقد من الزمان.

لذلك لا بدّ من بحث رؤية جديدة تتيح للجميع التقاط الأنفاس، لأن شعوب المنطقة اليوم أيضاً أُجهدت، وتحتاج إلى إعادة بناء قوتها وإمكانياتها، وإلا فإن أي حرب جديدة قد تأتي بالوبال على الجميع، ودون تحقيق النتائج المرجوّة.

دائماً هناك سيناريوهات في الوسط مغرية للمتعبين، وهم في الإدارة الصهيونية أصبحوا اليوم أكثرية، ويمكن التعامل معهم عبر إقصاء رؤية نتنياهو المجنونة، والتي تريد الدمار للمنطقة إذا لم يتمكن من إنقاذ إسرائيل، هذه السيناريوهات تُحتم رسم خريطة جديدة تتعامل مع المخاوف دون تقديم تنازلات استراتيجية، يُمكن وصفها بتكتيكات السلام الجزئي لا الشامل، ثم يتم رمي كرة الثلج لتتدحرج في ملعب الخصوم، والبناء على الثلج لا بدّ من أن ينهار في صيف قادم.

أحمد الشرعأحمد وديع العبسيالإدارة السورية الجديدةالسويداءحرب غزةسوريةقسد