التنميط كقضية خاصة جدًا (رزان زيتونة)

أحمد وديع العبسي

يصور فيلم (اسمي خان) إحدى أهم المعضلات التي يمكن أن يقوم بها الإعلام وقادة الرأي في خلق (التنميط) تجاه شيء معين أو قضية معينة أو حتى أشخاص بعينهم، ويعالج ربما أسوأ حادثة تنميط عالمي في التاريخ الحديث، ما تزال آثارها وانعكاساتها مستمرة إلى اليوم بشكل كبير على المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر2001، حيث تم ربط المسلم بالعنف والإرهاب، ويشرح الفيلم خطر هذا التنميط عبر عرض صورة قاسية من صوره كان ضحيتها طفل لأب مسلم، يُقتل على أيدي رفاقه بسبب خطاب الكراهية والتنميط.

لا يتوقف الإعلام عن فعل الشيء ذاته في أماكن كثيرة، وتبدو وسائل التواصل الاجتماعي أداة جنونية تساهم بشكل كارثي في خلق هذا التنميط باتجاهات تنتهي على كافة الصعد المحلية والعالمية وربما الأسرية وداخل المجتمعات الصغيرة.

والمجتمع السوري بعد الثورة كان ضحية سهلة لحالات التنميط تلك، سواءً بالمساهمة بها أو في خلقها أو بالمعاناة المباشرة منها مجتمعًا وأفرادًا، والتنميط سلاح له مئات الضحايا منذ 2011، ويستخدم بعسف مقزز من قبل أفراد وكيانات وصناع رأي وثوار يعلنون أنهم يطمحون لخلق مجتمع الحرية، لكن الحرية تبدو ضيقة جدًا في أعينهم وخطابهم، وحتى في تعاملهم مع الآخرين، حتى تكاد تظن أن لا أحد تقريبًا فهم الحرية قبل أن يعلن الثورة في سبيلها، فالحرية تبدو مجموعة تصورات خاصة تضيق وتتسع بحسب أفق الشخص الذي يفكر بها، فأنت في مجتمع الحرية لا تملك حق نقد بعض الأشخاص لأنهم تحولوا لرموز سواء بموتهم أو من خلال بعض الأعمال الاستثنائية التي قاموا بها، وعندما تنتقدهم فأنت إما خائن أو محايد مقيت في قضايا الحق والباطل، أو عميل للنظام، أو …إلخ، إذ هناك أوصاف كثيرة يمكن أن تُسلح عليك إذا تجرأت على الانتقاد.

اقرأ أيضاً: كتاب عطب الذات.. إشكالية برهان غليون

وهناك رموز أخرى تم توثين كل ما حولها لتصير كالآلهة القديمة، فلا يمكنك أن تكرهها حتى فضلاً عن انتقادها، لأنه لا يكرها إلا خائن أو عميل كما يقول أحدهم.

طبعًا هناك أشياء كثيرة تم تنميطها في الثورة، كاعتبار كل من يصلي ويعمل في الشأن العام هو (إخوان)، خاصة إذا كان كثير الأخطاء، أو كان فاسدًا، أمّا إذا كان صالحًا متقنًا، فهو إخوان أيضًا، لا تنتظر أن أعطيك إجابة أخرى.

في المقابل البقية علمانيون، لا يمكن أن يكون هناك صورة ثالثة للفرد السوري في مجتمع الثورة.

أشياء أخرى كثيرة هنا أيضًا، منها أن غالبية من يقطنون في مناطق النظام هم مؤيدون، والذين يريدون التوقف عن الثورة لأنهم تعبوا ببساطة هم خونة أو متسلقون، فهم لا يملكون حرية هذا القرار في مجتمع الحرية، جميع من يناضلون من أجل وضع الدين في الدستور رجعيون، أو متسلطون، والحرية تعني دولة مدنية علمانية حصرًا، وإلا فهي غير حرّة!! مؤسسات المعارضة فاسدة، أمّا معارضوها فهم شرفاء، الأموات أبطال استثنائيين، أما الأحياء فهم محتالون.

لمتابعة كل جديد اشترك في قناة صحيفة حبر على تلغرام اضغط هنا

النساء ضحايا، والرجال أشرار، المرأة المحجبة ضعيفة، والتي لا ترتدي الحجاب فاسقة، المرأة التي تحب المطبخ والمنزل هي متخلفة ناتجة عن بيئة ذكورية، أمّا تلك التي تحب المؤتمرات والعمل الخارجي فهي متحررة وفهيمة، طبعًا ليس عيبًا أن نقول ناتجة عن بيئة نسوية، لأن النسوية معيار صلاح! والذكورية معيار تسلط واستبداد! …

الأكثريات مستبدة، والأقليات كيانات عميلة وانفصالية، واستفتاء المجتمع لمعرفة خياراته في موضوع الهوية هو تسلط الأكثرية، بينما زج الأكثرية في سجالات الأقليات وانتماءاتهم الضيقة هو عدالة ومساواة!!

لا يهمني هنا صراحة الدفاع عن قضية معينة، إنما أسرد بعض القضايا التي يتم فيها تحديد الحرية نفسها بمعايير إقصائية، بالنسبة إلي في القضية الأخيرة على الأقل أجد أن مجتمع المواطنة هو مجتمع متجاوز لكل الانتماءات الضيقة لمصلحة الهوية السورية، وأن أي محددات داخل هذه الهوية لا تنتمي لثقافة ومرجعيات السوريين التاريخية لن تكون في مصلحة المجتمع، لكن هذا يبقى رأيي الخاص ولا أريد أن أصادر به حرية الآخرين، ولن أسمح لهم بمصادرة حريتي في المقابل.

أخيرًا بيت القصيد، (رزان زيتونة) أيقونة النضال التي يطلّ علينا منظرو قضيتها بين فترة وأخرى ليثيروا البلبلة والجدل، كأن لا قضية في الثورة غير رزان، ولا مغيبة سواها، تلك التي صار نقدها ربما يسقط الثورية عنك أو ينمِّطك مع الإخوان أو القاعدة أو أنصار جيش الإسلام وأصحاب الفكر المتشدد.

رزان التي انشغل المنشغلون باغتيالها الغامض صارت رمزًا لضحايا الحرية، بينما بقيت النساء سواها ممَّن اغتصبنَ وقتلنَ بوحشية أو ممَّن يعانينَ عذابات الاعتقال في سجون النظام مجرد أرقام لا وقت للرأي العام والإعلام للانشغال بقصصهنَّ المؤلمة التي لا تجود عليها أموال الداعمين ولا يُنمَّط المدافعون عنها كسفراء حرية وسلام وثوار حقيقيين!!

طبعًا لا يمكن أن تقول عن رزان وقضيتها إلا كل خير إذا أردت أن تكون ثوريًا صالحًا، ولا يجب أن تخوض في قضيتها إلا كمدافع عن الرواية المتداولة، فالدعاية حولها لا تسمح بغير ذلك، وإلا …

هنا أود أن أستعير الجملة المحورية في الفيلم الذي افتتحت به المقال على سبيل المقاربة، “أنا أنتمي للثورة ولكني لا أحب رزان زيتونة” ولا أحب أولئك الذي يجعلون قضيتها بؤرة للمزاودة، ولست إخوانيًا ولا متشددًا، كما أظنّ فيمن يتاجرون بقضيتها العمالة للنظام.

أعرف صعوبة فهم منطقية ذلك بالنسبة إلى الكثيرين، لكني سأزيدهم من القصيد نفسه بيتًا آخر، أنا ربما اعتبر أمثال رزان عملاء وحمقى، ولا أجد ذلك ينتقص من ثوريتي لأني لم أفصّل الثورة يومًا على مقاييس بعض الثوار وصيحات إعلامهم.

في النهاية كلّما تشدد الثوار ضاقت مساحة الثورة وتطرّفت مقولاتها وزادت الانقسامات داخلها، لأن كل مجموعة منهم تدعي أنها وحدها تمتلك اليقين الثوري والحقيقة الثورية، وقضية رزان وكل القضايا التي ذُكرت هنا هي أمثلة فحسب لقضايا كثيرة قد تخطر على بال القارئ، وهو يرى كيف يتم تنميط كل ما حولها بشكل دائم وبطريقة مقيتة …

 

 

المدير العام | أحمد وديع العبسي

أحمد وديع العبسيالتنميطالنضالالنظام السوريرزان زيتونةسوريا