مزيد من التصريحات الغربية من أجل أوكرانيا تشرح عمق الأزمة والضعف أمام روسيا، وتداخل خرائط المصلحة الإقليمية، ودور تركيا

أحمد وديع العبسي

لليوم الثاني على التوالي تستمر موجة التصريحات الغربية، دون أي فعل تجاح الاجتياح الروسي لأوكرانيا

الدول التي تملك القوة والسلاح النوعي، والقادرة على إيقاف روسيا إن أرادت تكتفي بإطلاق التصريحات، وتحاول أن تخبر أوكرانيا بصرامة أنها لن تفعل شيئاً من أجلها

فآخر ما قاله الناتو على لسان وزير الدفاع البريطاني، يجب ألا تقوم قواتنا وقوات الناتو بدور نشط بأوكرانيا تفاديا لمخاطر سوء التقدير، إذن فالغرب لن يتدخل من أجل أوكرانيا التي خرجت من كونها حليفاً لروسيا في العقدين الآخرين وارتمت في أحضانه وحققت مصالحه، فالمصالح مرة أخرى ليست على قدر الخسائر، ولن يتدخل الغرب في أي مواجهة مع روسيا من أجل أوكرانيا، حتى ولو اقتصر الأمر على حظر طيران، كما قال الوزير البريطاني نفسه: يصعب إلى حد ما تطبيق منطقة حظر طيران في مجال جوي معاد ضد خصم مثل روسيا، فهو يعترف أنه غير مستعد لفعل أي شيء.

وواضح أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بدا يدرك التخاذل الغربي تجاهه، وبدأ يعلم أن كل الوعود بالحماية والتي جعلته يتحدى روسيا، كانت وعوداً للإيقاع به بين أنياب الدب الروسي الهائج، وستتم مصالحة بوتين يعد احتلاله لأوكرانيا، كما صالح الغرب من قبل هتلر بعد احتلال النمسا، ولن يتدخل الحلفاء القدامى الجدد، إلا إذا تحامق بوتين وقام بضرب مصالحهم بشكل مباشر كما فعل هتلر ومن قبله بسمارك ونابليون.

الرئيس الأوكراني أخذ خطوة في الاتجاه الصحيح عندما ترافقت تصريحاته الواضحة التي تتهم الغرب بالخذلان، باستعداده للتفاوض مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتن بل وإعادة هذا الطلب بشكل مباشر عندما قال: أطالب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالتحدث معي، عندما لم يرد الأخير على اتصاله، هذا يشرح بشكل كبير الضعف الذي وصلت له أوكرانيا، وكيف تركت وحيدة في هذه المعركة التي رماها الأوروبيون إليها. وأبرز تصريحات الرئيس الأوكراني اليوم هي:

  • أوروبا ما زال بإمكانها وقف العدوان إذا تحركت بسرعة
  • رد الفعل الأوروبي غير كاف وكذلك المساعدات في حين تهاجم الدبابات الروسية شعبنا
  • أدعو الرئيس الروسي للجلوس معي إلى مائدة التفاوض
  • أدعو المواطنين الأوروبيين للتظاهر للضغط على حكوماتهم لاتخاذ قرارات حاسمة
  • الحرب الروسية ليست ضد أوكرانيا فقط وإنما ضد أوروبا بأكملها
  • نطلب من أوروبا عزل روسيا وطرد سفرائها وتشديد العقوبات عليها
  • القصف الروسي مستمر على المناطق السكنية والمدنيين رغم العقوبات
  • نطلب من سكان أوروبا الذين يتمتعون بخبرة عسكرية الدفاع عن أوكرانيا
  • أطالب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالتحدث معي

هذه التصريحات تشرح بوضوح حالة الضعف والخذلان التي تتعرض لها أوكرانيا، بينما على النقيض تستمر روسيا بتصريحات متعالية، تؤكد تفوقها على أوروبا كلها، وليس على أوكرانيا فقط، وتتدخل الصين في هذا الوقت لتعلن أن الرئيس الصيني أتصل ببوتين وطلب منه التفاوض مع أوكرانيا والأخير أبدى استعداده لذلك، ولكن ما يبدو أنه يريد أن يتواصل مع الرئيس الأوكراني بعد اعتقاله.

والجديد اليوم في الرد الروسي على أوروبا بنفس السلاح المضحك، أنه يبدو بيد روسيا أقوى، لأن التصريحات الروسية ترافقها عمليات اجتياح ضخمة على الأرض، والعقوبات الروسية التي تحدثت عنها رئيسة مجلس الاتحاد الروسي تتمثل بالغاز، أحد أهم القطاعات الحيوية التي تعتمد فيها أوروبا وبالذات ألمانيا على روسيا، والتي لا يمكن تعويضها حالياً بأي شكل من الأشكال كما قالت بعض الدراسات التي ظهرت مع بداية تطور الأزمة بين روسيا وأوكرانيا مطلع هذا العام. وقد قال بوتين في وقت سابق أيضاً في الرد على العقوبات: لم نحرز أي تقدم بخصوص الضمانات الأمنية، وندرك أي عالم نعيش فيه ولهذا أعددنا أنفسنا للعقوبات.

أمّا أوروبا والناتو فلم تتغير نبرتهما المنتظرة لحسم المعركة، فكما يبدو أن العقوبات لم تدخل حيز التنفيذ، ولكنها وصلت إلى حزمة ثالثة كما جاء في حرب التصريحات والبيانات المدمرة! لكن العلاقات الدبلوماسية لم تنقطع بعد مع موسكو، والهجوم الكلامي مستمر، ولكن من أجل الاتفاق مع روسيا لا من أجل هزيمتها، والروس يردون بمغازلة الأوروبيين باعتبار أن هذه الحرب هي ضد دولة مارقة وليست ضد أوروبا، وأن هذه المواجهة جنبت الروس والأوروبيين مواجهة كبيرة وشاملة، كانت ستتسبب بها أوكرانيا بسبب ارتمائها بأحضان الغرب الواسعة.

آخر التصريحات الأوروبية جاءت على لسان القوة الأبرز فيها، وهي ألمانيا التي قال المتحدث باسم الحكومة فيها: نبقي على سياساتنا بعدم إعطاء أسلحة ألمانية لأوكرانيا. بينما أصبحت المدرعات الروسية على بعد كيلومترات من كييف. وأحكمت سيطرتها على الكثير من المناطق الحيوية والهامة والمساحات الشاسعة، ولكن ألمانيا لم تنس دعوة روسيا من خلال التصريحات إلى وقف هذه الحرب المجنونة.

الولايات المتحدة كان موقفها حازماً ولكن ليس في الوقوف مع أوكرانيا، بل في تأكيد الرئيس الأمريكي أن بلاده لن تدخل حرب مع روسيا في أي مكان، وأنها لن توافق على عقوبات لقطاع النفط والغاز، لأن هذه العقوبات ستنعكس على مصالحها ومصالح الأوروبيين، إذن لتذهب أوكرانيا للجحيم أمام المصالح الغربية، وما كان يعد فيه الغرب بالأمس من وقوف إلا جانب أوكرانيا في حال تعرضت للحرب، لم يكن يعني أكثر من التصريحات القوية وبعض العقوبات، كان على أوكرانيا أن تعرف ذلك قبل أن تتورط في حرب الجميع خائف منها كما قال زلينسكي الرئيس الأوكراني.

الأتراك في هذه المعركة هم أحد أكبر الخاسرين، فالناتو الذي خذل تركيا ولم يتدخل في سورية رغم التدخل التركي المنفرد، لم يتدخل اليوم في أوكرانيا، مما جعل روسيا على الحدود الجنوبية والشمالية لتركيا، وتركيا لا تستطيع أن تفعل شيئاً بشكل منفرد أمام روسيا، لذلك قررت أن تكتفي بالتصريحات التي تشرح موقفها الداعم لأوكرانيا، والمندد بتخاذل الناتو وأوروبا، دون أن تستجيب لطلب أوكرانيا بإغلاق مضيقي البوسفور والدردنيل بوجه السفن الحربية الروسية، فهي لا تريد أن ترى بوتين بهذه القوة التي يستطيع من خلالها إخضاع أوروبا، ولا تريد أيضاً حالة عداء مباشرة مع روسيا في ظل التخاذل الغربي الذي أجبرها من قبل على التحالف مع الروس من أجل حماية حدودها الجنوبية في سورية، والتي لا تستبعد أن تضطر لتحالف جديد معهم في قضية أوكرانيا، خاصة أن الأتراك يرون أن لهم الحق في شبه جزيرة القرم، أكثر من الروس، ويتوقعون موجة لاجئين جديدة من الشمال ليس لدى تركية أي قدرة على استيعابها حالياً، كما أنهم لا يوافقون على تمدد الروس بهذا القدر على حدودهم الشمالية نظراً للعداء التاريخي والمصالح المتقاطعة بين البلدين والمنافسة على غاز البحر الأسود والمجال الحيوي في المتوسط والقوقاز، فتركيا ستحاول أن تكون عنصراً فاعلاً إلى جانب روسيا في الفترة المقبلة إن استطاعت كما فعلت في ليبيا وأذربيجان وسورية من قبل.

وجاءت أبرز المواقف والتصريحات التركية والتي جاء معظمها على لسان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على الشكل التالي:

  • أردوغان يترأس قمة أمنية في العاصمة أنقرة على خلفية الهجوم الروسي على أوكرانيا
  • أردوغان: نجدد دعوتنا لحل الخلافات القائمة بين روسيا وأوكرانيا عبر الحوار واتفاق مينسك
  • أردوغان يؤكد رفض تركيا للتدخل العسكري الروسي في #أوكرانيا ويعتبره “غير مقبول”
  • أردوغان: سنقوم بما يقع على عاتقنا لضمان سلامة أرواح كل من يقيم في أوكرانيا لا سيما مواطنينا وأشقائنا التتار
  • أردوغان يبحث مع زيلينسكي هاتفيا آخر مستجدات التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا
  • أردوغان: التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا الذي نراه مخالفا للقانون الدولي، يعتبر ضربة قاصمة موجهة ضد أمن المنطقة واستقرارها ورخائها
  • وزيرا الدفاع التركي خلوصي أكار والأمريكي لويد أوستن يبحثان هاتفيا آخر المستجدات في أوكرانيا و قضايا الدفاع والأمن الثنائية والإقليمية
  • تشاووش أوغلو يؤكد في اتصال هاتفي مع نظيره الأمريكي على مواصلة دعم وحدة الأراضي الأوكرانية
  • أردوغان: كان ينبغي على الناتو أن يتخذ خطوة أكثر حسماً، رد فعل الناتو على الهجوم الروسي يجب أن يكون أكثر حزما والإدانة وحدها لا تكفي.
  • أردوغان: للأسف الاتحاد الأوروبي والغرب برمته لم يظهروا وقفة حازمة (إزاء التطورات في أوكرانيا)
  • أردوغان عن الوضع بأوكرانيا: الغرب لا يزال يقدم النصائح حتى اليوم
  • وزير الخارجية التركي: لن نغلق مضيقي البوسفور والدردنيل أمام السفن الحربية الروسية.

الحرب على أوكرانيا تبدو في نهايتها كما يقول بعض المسؤولين الأمريكيين، فكييف يمكن أن تسقط في غضون أربعة أيام على الأكثر، والعالم يتفرج فقط، وأوكرانيا تدفع الثمن منفردة باستباحتها من الروس وإعادتها 10 سنوات إلى الوراء على الأقل، والرئيس الأوكراني يدعو للمقاومة، وللتعبئة العامة، ويفعل ما يستطيع ليوقف هذه الحرب التي أوقعه بها من يفترض أنهم حلفاؤه.

 

 

أحمد وديع العبسيأردوغانألمانياأوكرانياالبوسفور والدردنيلالحرب الروسية الأوكرانيةالناتوبريطانيابوتينتركياروسيا