الانتخابات.. تجربة الثورات الفاشلة

أحمد وديع العبسي

0 974

انتهت الانتخابات في مختلف أرجاء الجغرافية السورية نظامًا ومعارضة، وهدأت حولها الآراء والتحليلات والسخرية أيضًا، وربما صار الوقت مناسبًا ليتحدث المرء حول هذه التجربة بـ (كلمتين نضاف).

في الثورات وأثناء صناعة التغيير يحتاج الثوار قدرًا كبيرًا من الثبات والذاكرة، والعمل المتواصل، والبناء التراكمي، والعلاقات القوية مع الحلفاء والجوار، وهذا أمر لا يتم عبر تغيير القيادة السياسية كل سنة تقريبًا أو سنتين، ولا يتم بإيجاد وسائل ممارسة الديمقراطية في التجمعات المحررة قبل تهيئة الأرضية المناسبة لها، وتحقيق قدر من الاستقرار يسمح بوجود منافسة ديمقراطية حقيقية تضمن مصالح الناس، فما يحدث بسبب الانتخابات هو التالي، فعلى الصعيد السياسي، بسبب سهولة التغيير في قمة الهرم السياسي، تسعى الدول لإيصال ممثليها وضمان مصالحها عند جمهور الثورة، وبذلك يصبح التنافس على إرضاء الدول لا على تحقيق مصالح الناس، ويتم إفراغ القيادة السياسية من أي معنى؛ لأنها تتغير كل سنة أو سنتين على الأكثر قبل أن تستطيع توطيد علاقتها مع المحيط فضلاً عن البدء بالإنجاز والعمل، والأهم هو إلغاء الذاكرة التاريخية والتراكم الوجداني والفعلي الذي يغذي الإنجاز، لأن كل قادم لا ينظر إلى الماضي كجزء من إنجازه، بل على العكس ربما يسعى لهدمه؛ لأنه لا يمثل مصالح الدولة التي أتت به.

بينما في الطرف المقابل قيادة مركزية لم تتغير، تحمل في ذاكرتها كل مراحل المعركة وتنفذ إستراتيجية بعيدة المدى ولديها ما يكفي من الوقت والموارد.

أما على الصعيد الإداري فقدمت التجربة الانتخابية ثوارًا دون أي خبرات للمنافسة، فسيطر الصراخ والصوت المرتفع والفوضى على الحياة الإدارية التي لم تنجح في توفير الخدمات للناس إلا في تجارب قليلة جدًا، وهذه التجارب كانت لديها مقومات جيدة ساعدتها على الفعل أكثر من خبرة من تصدى لهذه المناصب، كما لم تكن المنافسة عادلة، ولا الهيئات الناخبة تمثل الناس بشكل شرعي، لكن حمى الديمقراطية والتعبير الوحيد الذي كما نعرفه عنها هو الانتخاب، جعل هذه المسرحيات تنتشر ويصفق لها الجميع أثناء غرق سفينتهم التي صار يقودها بحارة لم يشاهدوا البحر إلا مرات قليلة في التلفاز وعلى وسائل التواصل الاجتماعي.

الأمر الأكثر فظاعة برأيي هو انتقال هذه الحمى الانتخابية لكل مفاصل الحياة والعمل، فصار كل رأي وعمل في الشأن العام يحتاج تصويتًا وانتخابًا، دون أدنى فهم في المعضلة التي هي محل النقاش، أو طبيعة المؤسسة التي تحتاج مركزًا قياديًا معينًا.

وبنظرة سريعة إلى التجارب الثورية تاريخيًا، نرى أن الديمقراطية لم تكن أداة الثورة، بل نتيجة ما بعد الثورة، وأن قادة النضال كانوا ملهمي الناس طوال فترة الثورة، ولن تغيرهم الانتخابات في أوج نصرهم ولا عند انكسارهم، إنما كانوا يتغيرون بقرار القيادة نفسها في مرات قليلة عندما يفشلون فشلاً ذريعًا أو عندما يستشهدون.

ولننظر نظرة أخرى من حولنا سنرى أن جميع التجارب التي توفرت فيها قيادة مركزية أثناء الصراع أكثر نجاحًا وانجازًا واستقرارًا من التجربة الفوضوية التي تقودها المعارضة السورية.

 

المدير العام | أحمد وديع العبسي

اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط