مدرِّسُو اللُّغةِ العـربيّة.. بيـنَ سلبيّةِ الإعلام العربيّ وفاعليّةِ دورِهم المأمول نحو الارتقاء و النهوض

ملهم الشريف

لطـالمـا سـعَـتْ أنظمـةُ الفسـادِ الـوظيفـيّـةُ إلى إظهـارِ مـدرِّسِ اللغـةِ الـعـربيّـةِ بِـمـظـهَـر الـبسيـطِ السـاذَج البعيـدِ عـن ثـوابـتِ الاتِّـزانِ و الـحكـمـةِ و الوَقـار ..

صَـوَّرُوه على أنَّـه إنـسـانٌ مُعـقّـدٌ ؛ ذو شـخصـيّـة انـهـزاميّـةٍ مهـزوزةٍ نـفـسيّـاً أمـامَ طـلّابِـه فـلا يُكـتَـرَثُ لـهُ فـي الفصـلِ إنْ هـو دَخَـلَـه ..

صَـوَّرُوه خـانعـاً ذليـلاً بعـيـداً عن سماتِ الكـرامـةِ و الـسـمـوّ ..

صَـوَّرُوه مُـتـنـطِـعـاً يتـكـلَّـفُ الكـلامَ تـكـلُّفـاً ، و يتشدّقُ بعبـاراتٍ مُـعَـقـَّدةٍ مجهـولـةِ المعنى أشبـه بـالطـلاسـم…

صَـوَّرُوه علـى أنَّـه إنـسـانٌ فـوضـويّ بـعـيـد عن مـفـهـومِ الـذوقِ و الـجَمـالِ و الـرتـابـةِ ؛ جَـمـالِ المـظـهـرِ و تـنـاسُـقِ المَـلـبَـس ، فهو مـتـرهّـل الـهـنـدام دائـمـاً ، رثّ الـمـظـهَـر ..

صَـوّروه بـمظـهـر الشّـحّـاذ – و عذراً على التعبير – الـواقفِ عندَ عتباتِ الفصـول يـتصيَّـدُ رِزقَـه ..

و لا أدلَّ على ذلك من مسـلسـلات و أفـلام و مـسـرحـيّـات هـزلـيّـة قـاءَهـا الإعـلام المصـريّ و غـيـره – من القـيء – …

• و كـلُّ ذلك إنّـمـا هو محاولةٌ خبيثـةٌ مفـضـوحـةٌ لـلإسـاءة للـغـة العـربيّـة ذاتِـهـا في أوّلِ خطـوةٍ من خطـواتِ مـشـروعِ الطعـنِ فـي دينـنـا الحنيـف و مصـادر التشريـع القائمـة على عمــادَي القـرآن الكـريـم أولاً ثـمّ الحـديث النبـويّ ثانيـاً اللذيـن يمـثـلان وعـاءَي العربيـة الأوسـعِ و الأرقـى لغـةً و بلاغـةً و بيـانـاً و أسلوبـاً و صيغـاً و تراكيـب ، هذا من ناحيـة و من ناحيـةٍ لِـيَـجعـلُـوا طُـلّابَـنـا وَ أبنـاءَنـا زاهـديـن بهـذه المـادة بحصـرهـا في إطـارهـا العلمـيّ المـجردَ بوصفهـا مـادةً علمـيّـةً للـدراسـة و البحـث و الامتحـانِ فقط …

و الحقيقـة أنّ العـربيـةَ لـغـتُـهـم هـويّتُـهـم و مـصـدرُ عِـزّهـم ، لغـةُ الـقـرآن الكـريـم ، لغة الـعـقـيـدة و الإيـمـان ، لغـة الـسـمـوّ وَ الـجـمـال و الجَـلال ، لغــة العلـوم و التفـوّق الحضـاريّ لأمتنـا إبّانَ عصـورِ الازدهـار و العلمـاء الموسوعيين الذيـن جعلـوا العربيـةَ شعارَهـم و لسانَهـم عندمـا فاضـت مكتبـاتُ العالَـم بـعـلومهـم و إنجازاتهم التي حفظـوهـا بلغتهـم العـربيـة الجميلـة حتى غدتْ غـايـةً لأباطـرة الغـرب و الأعاجـم ليعلمـوهـا أبناءَهـم بل و يتفاخرون بنطـقِ عدة ألفـاظ عربيـة بألسنتهـم !!! ..

لمتابعة كل جديد اشترك في قناة صحيفة حبر على تلغرام اضغط هنا

• إذاً يبـدؤون بتشـويـه اللّغـة العـربيّـة و تـزهيـد الأبنـاءِ بهـا ليصـلوا فـي مشـروعِـهـم إلـى منتهـاه حسب تـصـوِّرِهـم المعـدّ للنيـلِ من هـويتِـنـا و الرابـطِ الذي يَجمـعُ و يُـؤلِّفُ جميـعَ النـاطقيـن بهـا في نسيـجٍ اجتمـاعـيّ قِيمـيٍّ منتِـج مع تضافـر مقومـات الهمـة الموصِـلـة للمشـروع الحضـاريّ الجامـع الذي تنتظره الإنسـانيـةُ بأسرهـا .

• و نحـنُ لو رَجـعـنـا بـذاكـرتنـا إلى مـراحـلِ دراسـتِـنـا فـإنّنـا لَـنجـدُ أنّ أكثـرَ المُـدرِّسـيـنَ – المُـربـيـن – تـأثيـراً في شـخصـيّـتـنـا إنّمـا هم مـدرِّسـُـو اللُّـغـة العـربـيّـة – عندمـا يتمثلـون قِيمهـا – ؛ و ما ذلك إلّا لِـجَـمـال أرواحِـهـم و لطيـفِ بيانِـهـم إذ تـأثَّـروا بـجـلـيـلِ لفـظِ الـقـرآن و قـوَّةِ بيـانِ العـرب و فصـاحـةِ الخطـبـاء ، و كيفَ لا يكـونُ ذلك و هـم أكـثـرُ الـمـدرِّسـين حُضـوراً بيـنَ طـلّابِـهـم مـن حيثُ عـددِ الحـصـص و السـاعـات الـدَّرْسِـيّـة ، و الأكـثـر خطـابـاً و حـواراً مـع أبـنـائهـم الطــلّاب .

• و ممّـا أعطـى لهـذه اللغـة تميـزاً و تفـرّداً بين اللغـات أنْ جعلهـا اللهُ لـغـةَ الـقـرآن الكـريـم الذي حَـفِـظَ لنـا لغـتَـنــا ، لذلك فـإنَّ الحديثَ بهـا و دراستَـهــا مـع إخـلاصِ النِّـيّـة للّه – سبحانه – عِــبـــــادةٌ ، فـهي اللُّغــةُ القـرآنيّـةُ الخـالـصـةُ بِـمَــا تحـمـلُـه من فصـاحـةِ الكَـلِـمِ ، وَ بـلاغـةِ الـتـعـبيـر ، و بـراعـةِ الأداء ، وَ يُســرِ التـداولِ وَ الـتـواصـل وَ الإبـداع . و لـقـد تـكـفَّـلَ اللهُ – سبحانَه – بالحِفـاظِ عـلى الـذّكـرِ الـقـرآنـيّ الشــريف الذي يصـونُـه لـسـانٌ نـاطـقٌ و أُمّــةٌ واعيـة ؛ لذلك فسّـرَ العلمـاءُ قـولَـه تـعـالـى { فـإنَّمـا يَسـَّـرنـاهُ بِـلـسـانِـكَ لِـتُبَشِّـرَ بـه المُتّـقـيـن } [ مريم : 97 ] بـقـولـهـم :

” أي يسّـرنـا الـقـرآنَ بإنـزالِـنـا لـه عـلـى لُـغـتِـكَ ” [ كما جاءَ في تفسير البيضاوي و البغوي – بتصرُّف – ] .

• و بعـدَ الذي قـدّمتـه أستثمـرُ هذا المنبـر عبـر صحيفـة حبـر لأبـثَّ رسـالـةً أصـوغهـا من القلـب و نحـنُ نحتفـلُ مع العـالَـم بأسـره باليـوم العالمـيّ للغـة العربيـة أُوجّـهـهـا لِـ مـدرِسـي و أسـاتـذة و معـلِّـمـي اللغـة الـعـربيّـة من الجنسيـن بـأنِ انهـضـوا بالأمـانـة المـوكـلـة إليكـم أحسـن مـا يكـونُ النهـوض أداءً و عمـلاً و دراسـةً و تطـويـراً بامتـلاك زمـام العلـم بِـورودِ منـابعـه ، و طيّبـوا قـلوبَـكـم بـإخـلاصِ النيّـة و صـدقـهـا لتطيـبَ أنفـاسُـكم و كلمـاتُكـم و تـأخـذَ إلـى التـأثيـر و الـقَبـول مـأخـذَهـا فـي نفـوس و قـلـوبِ طـلابِـكـم ..

الطريق إلى الإصلاح

اعتنـوا بتـقـويـم ألسـنـتِكـم و نـزِّهـوهـا عـن اللـحنِ و الخطـأ فـي كـلام العـربِ ، و صحّـحـوا مخـارجَ حـروفِـكـم – صـفـةً و مخـرجـاً – ، و اجعـلـوا ألفـاظَـكـم تتقـاطـرُ إيقـاعـاً روحيّـاً يخـرجُ من قـلـوبكـم قبـل أنْ تجـودَ بـه ألـسنـتُـكـم …

و اعـلـمـوا حقيـقـةً لا تبـديـلَ عنـهـا بـأنّ الجمـالَ كُـلٌّ لا يتجـزَّأ ؛ فجمـالُ اللغـة و سمـوُّهـا يستجـلبُ حتمـاً جمـالاً فـي الخُـلُـق ، و رُقيّـاً في الشخصيّـة ، و اتـزانـاً في الأداء ، و تنظيـمـاً في العـرض – للأفكـار – ، و رتـابـة و أنـاقـةً في المظهـر و الملبَـس ، و طِيبـاً عِـطـريّـاً فـي الـرِّيـح … لتعيـدوا للعـربيّـةِ بريـقَ حضـورِهـا ، و حقيـقَ تـأثيـرهـا ، و سُــمـوَّ حـاملِـهـا و معلِّّمـهـا …

فالـعـربيّـةُ لُـغـة القـداسـة و الجَمَـال و العلـوم ، و تكسـبُ حاملهـا قـوةً و تأثيـراً و اتـزانـاً و رقيـاً .

• و أخـتـمُ بـأبيـات راقيـة مـن إبـداعِ الشـاعـر *عـلـي الجـارم* – رَحِـمَــه اللهُ – في العـربيّـة و بيـانِ فضـلـهـا و شـرفِ الدفـاعِ و الـذودِ عنـهـا ، و دورهـا فـي النـهـوض الحضـاريّ لأمّـتـنـا إذ يقـول :

– و الضادُ حسْبُ الضادِ فخراً أنّها
كـانــتْ كـلامَ اللَّهِ فـي فُــرقــانِـهْ

– هيَ سُؤددُ العربيّ يومَ فَخــارِه
وَ قِـوامُ نهـضـتِـه وَ سِـرُّ كِيــانِـهْ

– مَـنْ ذادَ عنـهـا ذادَ عـن أحسـابِه
بـل وَ عـن عقيـدتِـه وَ عـن إيمـانِـهْ

 

أخطاء شائعة باللغةاللغة العربيةاليوم العالمي للغة العربيةلغة الضادلغة القرآنمدرسو اللغة العربيةملهم الشريف