القيم الثقافية وصراعات التجديد والتغريب

أحمد وديع العبسي

أفرزت الثورات في المنطقة العربية تغييرات كبيرة في مستويات الفكر والاجتماع وفهم الآخر والعلاقات الاجتماعية والسياسة والحريات و…، فبعد أن كانت هذه المفاهيم بسيطة ومنضبطة بخطاب السلطة الذي لم يتجاوز بها حالة التزيّن، انتقلت شيئًا فشيئًا إلى مساحات فكرية واسعة، بدأت بتبادل الآراء والسجالات المنطقية البسيطة، ثم تحولت فيما بعد إلى صراعات إيديولوجية  عميقة تغذيها تيارات مختلفة علمانية وتقليدية وإسلامية وتاريخانية ومعاصرة.

الانفتاح على الغرب والهجرة نحوه والعيش هناك فتح الباب أمام أنماط جديدة في فهم العلاقات البينية في المجتمع وفكرة الانتماء والهوية والدولة والسلطة …، والديمقراطية، طبعًا هذه الأنماط والتيارات الفكرية بدأت تهاجم التيارات السائدة بقوة، يغذيها في ذلك أمور عدّة أبرزها: التجربة الناجحة التي عايشيها المهاجرون،  والإحسان الذي استقبلتهم به بلدان الثقافات الجديدة – والإحسان بطبيعته يتقاطع عند الكثيرين مع الحق – بالإضافة إلى دعم دول هذه الثقافات لكل من يتبناها، وإظهارها عالميًا على أنها معيار للجودة والصلاح في مقابل الاستبداد والطغيان والتهميش الذي كانت تعاني منه مجتمعاتنا الشرقية (المسلمة).

اقرأ أيضاً | خيارات الأكثرية والأقليات

ولا بدّ هنا من التركيز على إسلامية هذه المجتمعات، فتاريخها وحضارتها التي كوَّنت الثقافة والقيم التي يتبناها أفرادها هو تاريخ وحضارة وثقافة إسلامية منفتحة ومتنوعة عبر كل القرون الماضية، ولكن المشكلة الكبيرة هنا تبرز حينما يتم إلصاق القرن الأخير بهذه الحضارة كجزء من تطورها الطبيعي، وبالتالي صار الهجوم على التيارات السائدة التي صنعت التخلف والطغيان في المئة سنة الماضية هو هجوم على الإسلام كفكر وثقافة وهوية، مع تجاهل كامل للإرث الحضاري الكبير والمتميز للحضارة الإسلامية الذي شكَّل مرحلة فارقة في الحضارة الإنسانية عامة لا تزال آثارها ممتدة إلى اليوم في مختلف مجالات الحياة مهما تمّ تجاهلها.

المشكلة اليوم في تجاهل المجتمعات المسلمة لهذه الحقيقة، ومحاولتها التفتيش خارج الثقافة الإسلامية من أجل إيجاد حلول لمشكلاتها، ومحاولة لصق هذه الحلول بما يسميه البعض الفهم الجديد للإسلام، أو الإسلام الحداثي، لتنتج مفاهيم فكرية جديدة حول العلاقات الاجتماعية والآخر والحرية وغيرها … لا تنتمي لهذه الثقافة وتبقى قاصرة أيضًا عن اللحاق بالثقافة المورّدة رغم شبهها الكبير بها، وأثناء ذلك يتم مهاجمة الحضارة الإسلامية من المسلمين أنفسهم سواء كانوا واعين لما يفعلونه أم بدون وعي بحجة التغيّر الفكري وضرورة التجديد.

إن العسير في الأمر هو المرحلة وليست الأفكار، هذه المرحلة التي تستطيع توليد أفكار جديدة كل يوم وإنفاذها بالقوة والهيمنة وسلطة الأمر الواقع

الإشكالية في المجتمعات المسلمة هو غياب فهمها  للعصر المتأرجح الذي نمر به، والذي يحتاج الكثير من الحذر قبل إعلان الاكتشافات الجديدة على أنها حقائق يجب اتباعها، فمجتمعاتنا اليوم ليست نوعًا من الحداثيات الجديدة التي نحاول تقليدها، وليس منغلقة على نفسها بطريقة تجعل تطويرها وتجديدها أمرًا عسيرًا جدًا، إن العسير في الأمر هو المرحلة وليست الأفكار، هذه المرحلة التي تستطيع توليد أفكار جديدة كل يوم وإنفاذها بالقوة والهيمنة وسلطة الأمر الواقع، ويتم تلقيها من جموع الناس بشيء من الرضا واللامبالاة؛ لأنها ليست الأولوية بالنسبة لهم في عالم يملؤه الفقر والجوع والتشرد والحروب، وبالتالي فإن إنضاج الأفكار اليوم يتم بمعزل عن الناس وتوجهاتهم الحقيقية، ممَّا سيؤدي إلى أنها لن تعيش طويلاً، أو ستستبد في الناس بطريقة أخرى من أجل أن تعيش.

اقرأ أيضاً | المرجعية والهوية وتحديّات الثقافة والانتماء 

التجديد عادة لا يتم أمام فوهات المدافع وعبر التلقف من الآخرين بحجة الانفتاح والمرونة، إنّما في بيئة مستقرة تكون فيها مداولة الأفكار متاحة لا تحكمها الحاجة للحلول والنظريات الجديدة، التي يتم إنتاجها على قدر المرحلة وضمن مساحات ضيقة، لا تصلح لتكون امتدادًا طبيعيًا وحضاريًا للثقافة العريقة، إنما مجرد منتجات مؤقتة يجب أن يتم تعريفها بذلك بوضوح.

كما أن الاستقواء الفكري يشبه الاستقواء السياسي وهو مدعوم به بالضرورة، وكلّ ما سيتم فرضه عن طريق الاستقواء سيواجه عاجلاً أم آجلاً، ولا بدّ أن يفهم مدعو التحرر والحرية أن قيمهم ترفض في أصلها أن تفرض بالقوة، وعليهم أن يتحلوا بكثير من النبل ليفسحوا المجال أمام ما يتبناه المجتمع ولو أدى ذلك إلى تهميشهم، وإلَّا فإنهم في الحقيقة يريدون استبدادًا جديدًا تعلنه قيمهم الحرة!! بدلاً من الاستبداد القديم الذي كانت تعلنه قيم الطغيان!!!

 

أحمد وديع العبسيالأصالة والمعاصرةالانتماءالتجديدالتغريبالعولمةالقيم الثقافيةالهويةالهوية والتغريب