حريات مخادعة، واستبداد عالمي النسوية ومفاهيم أخرى مثالاً

تبقى الحرية في كل مرة نحاول تفسيرها مفهومًا غير واضح المعالم، فهو من أكثر المفاهيم الغائمة، التي يختلف فهمها بين مجتمع وآخر، ويُمارَس باسمها أحد أعنف الاستبدادات الثقافية والفكرية تجاه ثقافات الآخرين وهوياتهم وتنوعهم الفكري والعقدي.

وللمفارقة يُعدُّ مفهوم الحرية من أكثر المفاهيم التي ترتبط بالقوة، ويُحددها الأقوياء، ولا تبدو الحرية هنا مجرد مفهوم عام مجرد، بل هي أقرب إلى المفاهيم المقيدة، ودائمًا تُعرَف الحرية بما تضاف إليه، فهي حريات متعددة وليست حرية عامة في المفهوم والممارسة.

لمتابعة كل جديد اشترك في قناة صحيفة حبر على تلغرام اضغط هنا 

فحرية الجنس مثلاً لا تعني الزواج، إنما تعني الزنا، بينما يُعدُّ الزواج إحدى مظاهر تقييد الجنس، ولا يلتفت المفهوم أن هناك مليارات الناس تقرر بحرية كاملة أن يكون الزواج هو بوابة ممارسة الجنس لديها!!

حرية الإعلام يُعبَّر عنها بالحيادية، ونقل الحقائق كما هي، دون أي حُسبان لخيارات الإعلام الحر بالانحياز للقضايا العادلة، أو نقل الحقائق بضوابط أخلاقية ومجتمعية معينة، هذا الانحياز أو هذه الضوابط تم اختيارها بحرية محضة من العاملين بالإعلام، أو من الشبكة الإعلامية كشخصية اعتبارية.

غير ذلك يتم ممارسة استبداد عالمي (عولمي) تجاه الثقافات والمفاهيم يمنع تعريف الكثير من المفاهيم التي ترتبط بثقافات معينة بطريقة تخالف الثقافة العالمية السائدة والمحمية بالقوة، وكأن هذه الثقافة فقط من تمتلك حرية تعريف المفاهيم وتحديد ماهية الحريات.

اقرأ أيضاً: “تلفزيون سوريا” يتهم شركة إعلامية بالتبعية لتحرير الشام والأخيرة ترد!

النسوية مثلاً تيار يتبناه اليوم النسق العالمي، فجميع مصطلحاته وآرائه مدعومة، بينما الآراء الأخرى التي لا تحاربه بالضرورة مستهجنة وموصومة بالتخلف، فمثلاً هم يستطيعون تسمية (الزنا) علاقة جنسية عادية ومقبولة بموافقة الطرفين، بينما لا أستطيع أنا (عالميًا) أن أُسميها علاقة محرمة وأطالب بتجريمها، لهم حرية ما يفعلونه وليس لي حتى حرية المطالبة بإيقافهم، لهم حرية وصمي بالمتعصب والمتشدد، وليس لي حرية أن أقول عن الزانية إنها عاهرة، وإلا فقدت شخصيتي المتحضّرة، يجب أن أكتفي باحترام الحريات الشخصية!!!

العالم اليوم تبنى حرية المثلية، فمن غير الطبيعي ألَّا أساير هذا العالم وأن أُسميها شذوذًا، وألا أعدها حرية!! وهكذا..

هذا الاستبداد له وسائلة التي لا تختلف كثيرًا في تأثيرها عن بطش المستبدين، فالرعاية المالية والإعلامية والمجتمعية التي يحظى بها من يخدمون هذه المفاهيم خاصة في بلادنا بعد الثورات رعاية جذابة جدًا ومغرية جدًا.

لا أستطيع أن أفهم الحرية التي طالبنا بها عند من يرضخون لرغبات الداعمين في تشويه مجتمعاتهم وثقافتها وهويتها فقط من أجل المال، وكأن الثورة جاءت من أجل أن نغيّر مواقعنا على خريطة الاستبداد من كوننا ضحايا، لنصبح جزءًا من المنتفعين، وبذلك نشابه إلى حد كبير المنتفعين من الطغاة، لكن بتموضع خاص بنا خارج الدائرة الاعتيادية المباشرة.

هم يخضعون لسلطة القوة، ونحن نخضع لسلطة الداعم (المال)، والحرية غائبة تمامًا في كلا الطرفين.

قد لا تكون الدماء فاتورة مباشرة لما نقوم به، لكن هذه الاستباحة للحرية وللعقول، وهذا الخضوع لمفاهيم الاستبداد العالمي الجديد يجعل الدماء في أجسادنا بلا قيمة، فنحن لا نشبه ما كنّا عليه، أو ما كنّا نحلم به، نحن مجرد أدوات ومنتجات استهلاكية ومواد مكررة على خط الإنتاج العالمي الذي يحاول الطغيان على الثقافة والهوية والحريات الحقيقية بمفاهيم جديدة مدعومة بالمال وبملذات الحياة المؤقتة، والنتيجة أكوام من الضحايا الذين لا تسيل منهم الدماء، إنما تنبعث منهم رائحة نتنة للمجازر الكبيرة في مكبات النفايات العضوية.

 

المدير العام | أحمد وديع العبسي  

أحمد وديع العبسيالاستبدادالحريةالمثلية الجنسيةالنسويةحريةسورياصحيفة حبرمفاهيم مخادعة