مقاييس التغيير

أحمد وديع العبسي

لا شكَّ أن موضوع التغيير يشغل العقلية العربية في هذا الوقت بشكل كبير، وليس أمرًا مستغربًا أن يأخذ حيزًا كبيرًا من التفكير، وذلك رغم بعض الابتذال الذي صار يرافق المفردة والكتابة حولها …

شملت عملية التغيير الفاشلة والناجحة والمتعثرة والمتدحرجة في الشرق العربي جميع جوانب الحياة، (الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والعسكرية، والإيديولوجية)، وبدا كما يقول بعض المنظرين والمفكرين إنه أمرٌّ حتمي، قد أظل زمانه، فلا يمكن دفعه، لكن ربما أمكن حرف مساره، أو صناعة تغييرات شكلية تُطيل أعمار النظم القائمة، أو تدمِّر البنى الأساسية التي يمكن إحداث التغيير عبرها، وبالتالي تُطيل أمد عملية التغيير، وتقتل إرادتها في نفوس أبناء هذا الجيل، بانتظار أجيال جديدة ربما تتكون في مساحات جغرافية جديدة وبعيدة، لا تسمح لها بالعبث بجغرافيا الشرق وحمولتها الإنسانية، أو على الأقل تجعل ذلك أكثر صعوبة.

اقرأ أيضاً: القيم كمحرك للتغيير

هذا الشكل الذي بدأ يسجل اليوم انتصاراته في محيطنا العربي، يجلب معه اليأس لمن يريد التغيير، ويصبح معه انجاز خطوات حقيقية وملموسة ومقاسة، أمرًا غاية في الصعوبة، مما يجعل الانغماس بهموم الحياة ومتطلباتها هو البديل، ونسيان التغيير وإرادته وأسبابه التي تختفي مع مرور الوقت في البيئات الجديدة، والتي ينتقل إليها صانعو التغيير القدامى حتى يتلاشوا تمامًا.

لكن كيف نحمي أنفسنا من هذا التصور؟ وكيف بإمكاننا الاستمرار في شغف صناعة التغيير وشغف إرادته وشغف البذل في طريقه، وفي استمرارنا بتدوير عجلته مهما ثقلت وظهرت كأنها دون حراك؟!

الأثر النفسي والمعنوي هنا مهم للغاية، ولا يُستغنى عنه، لكنه ليس كافيًا، (الأمل، الثقة بالمستقبل، رفع المعنويات، والإيمان بحتمية انتصار الحق …) أمور جيدة تجعل الناس أكثر صبرًا وتحملاً واستمرارية، لكن عدم وجود مقاييس تخبرنا أننا نتقدم تجعل الأمر يبدو صعبًا وحالمًا، ويتحول مع الوقت إلى شعارات وعقائد للإيمان أكثر منها للعمل.

وهنا افترضُ وجود ثلاثة مقاييس عملية للتغيير، تجعلنا نشعر بالتقدم والفرق عن الحالة السابقة، أهمها وأولها هو القدرة على الاستمرار والمتابعة وتجاوز محطات الفشل وعدم الركون والاستسلام، فلو لم يكن هناك تغيير حقيقي في النفس وفي المحيط وفي الممكنات لما استطاع الإنسان المتابعة، فالقدرة على المتابعة هي أحد أهم المقاييس التي تقول: إن التغيير يحصل فعلاً، وإن هناك خطوات مهمة قد أُنجزت.

الأمر الثاني هو وجود فريق، أو جماعة مهتمة للتغيير، وجود هذا الفريق وتماسكه واستمراره يعني أن العملية ماتزال تنجح؛ لأن التغيير لا يصنعه أفراد، إنما مجموعات، وطالما هناك مجموعات فهذا يعني أن هناك مكاسب تتحقق، وإلا لما كان هناك ما تجتمع عليه هذه المجموعات، ولتفرّق أفرادها في أماكن متعددة.

لمتابعة كل جديد اشترك في قناة صحيفة حبر على تلغرام اضغط هنا

أخيرًا .. الانكسارات أو المصائب الكبيرة، فالإنسان عندما يتحاصر في أساليبه التقليدية، يصبح خاملاً، ويبدأ بالدوران في حلقة مفرغة لا تحقق شيئًا، حدوث الانكسارات يعني أن هناك ما تم بناؤه، وما تمّ تغييره، وهو يحتاج إلى ترميم وإصلاح، فالعملية إذن مستمرة، وهي تنجح … هذه الانكسارات تشكل قدحًا لبدايات جديدة تنعش عملية التغيير وتقفز بها إلى الأمام، إنها بمثابة الثورة التي تخلق الفوضى من جديد وتمنحك فرصة إعادة ترتيب الأشياء.

طبعًا هناك مقاييس أخرى ربما يراها غيري، ويُغني بها هذه المقالة، فهذا بكل تأكيد ليس كل شيء …

 

 

 

 

 

أحمد وديع العبسيالابتذالالتغييرتغيير العقليةسورياصحيفة حبرصناعة التغيير