الديمقراطيات الواهية

أحمد وديع العبسي  

0 206

لكي يتم بناء ديمقراطية حقيقية في سورية، علينا ألَّا نستعجل تطبيق آليات لم يستوعبها المجتمع حتى الآن، فالممارسة الديمقراطية ليست مختصرة فقط بإجراء انتخابات لاختيار ممثلي الشعب في المجالس المحلية ومجلس الشعب أو في قصر الرئاسة، إنما الانتخابات هي واحدة من الآليات النهائية لتطبيق الديمقراطية، أو لترسيخ خيارات الشعب بشكل أصح.

في البلدان التي شهدت ثورات وحروب من السهل جدًا إعادة توليد ديكتاتوريات جديدة حتى من خلال الوسائل الديمقراطية؛ لأن انقسام المجتمع لعدد من التيارات المتصارعة سيجعل الخيارات محدودة بين هذه التيارات التي استطاعت تكوين صوت لها خلال فترة الأزمة، هذا الصوت لم يكن غالبًا يمثِّل مصلحة البلاد، إنما كان يمثل مصلحة التيارات المتصارعة ومحاولة جذب الجماهير لرسالتها، ويركز على هدم الفساد وإنهاء حالة الاستبداد أكثر من تركيزه على خطاب برامجي يستهدف بناء الدولة وإعادة صياغة التماسك الاجتماعي ورفاه الناس، أضف إلى ذلك أن الاستقطاب العقائدي يكون في أوجه، وبالتالي ستكون خيارات الناس وخطابهم متجهًا نحو الانتماء لا نحو مصالح المجتمع والقدرة عند المرشحين على الانتقال في البلاد لحال أفضل.

غير ذلك فإن معظم التيارات التي قامت بالثورة لا تمتلك الخبرة ولا الوجود الاجتماعي الكافي بين شرائح المجتمع، ولم تستطع قبل تجربتها الأولى أن تخوض أي تجربة تتعرف من خلالها على بناء آليات الديمقراطية والحشد الجماهيري ومعرفة تطلعات الناس عن قرب، فضلًا عن أنّ أغلبها خارج البلاد، وبالتالي ليس لديها وصول للزخم الجماهيري الأكبر في الداخل، ولا الناس أصلاً يعرفون عنه ما يكفي ليكون أحد خيارتهم، ممَّا يؤدي إلى فرص أكبر لبقايا التيار الاستبدادي لإعادة إنتاج نفسه من جديد، حيث إنه مغروس بوسائله كافة بين الناس، ويستطيع أن يكون أقرب منهم، ويصدِّر خطاب يناسب تطلعاتهم الآنية التي هم بحاجتها أكثر من أحلام المستقبل التي يركز عليها دعاة التغيير عادةً.

ومن أجل عدم الوقوع في كل هذه المطبات ينبغي للجميع أن يبدؤوا بالتدريب الفعلي على وسائل الانتقال الديمقراطي المختلفة، وعلى العملية الانتخابية بكافة راحلها، فهي أكبر من مجرد اختيار وورقة وصندوق وفرز، كما يجب أن يذهب جميع الأطراف لفترة انتقالية تتم إدارتها بالتوافق، وبحصص متساوية للجميع، لكي تتمكن جميع التيارات من خوض تجربتها المباشرة والالتصاق بالناس لمعرفة كيف سيقنعونهم ببرامجهم الوطنية فيما بعد، عندما تنتهي الفترة الانتقالية وتعود البلاد لحالة الاستقرار الفعلي، وإلَّا فما سيحدث هو تمثيلة ديمقراطية ستدعمها القوة والنفوذ، وبالتالي سيصل من يتمتع بهذه القوة لا من يحظى بثقة الشعب، وسيكون وفيًا للقوة التي أوصلته لا للناس الذين كانت أصواتهم مجرد بريستيج لا أكثر.

عندها سيعيد الطاغية تشكيل نفسه بأسلوب جديد فقط، ولن يتغير النظام، ولن تنتصر الحرية، وستكون الديمقراطية لعبة بيد المستبدين الجدد.

المدير العام

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط